مقالات والابداع

تحديات تواجه مستقبل الطاقة النووية

يقلم – الدكتور على عبد النبى:

أصبحت قضية تغير المناخ من القضايا الهامة في عصرنا، فالآثار العالمية لتغير المناخ واسعة النطاق ولم يسبق لها مثيل، منها: تغير نمط الطقس الذى يهدد الإنتاج الغذائي، وارتفاع منسوب مياه البحار الذى يهدد بغرق العديد من المدن الساحلية، وكذا التعرض لخطر الفيضانات الكارثية. وعلى مستوى الدول الصناعية “كثيفة انبعاثات الغازات الدفيئة”، هناك خريطة طريق للحد من آثار تغير المناخ، وذلك من خلال تحقيق اقتصاد طاقة نظيفة بنسبة 100٪. وتعرّف الطاقة النظيفة بأنها “محايدة للكربون”، مما يعني التخلص من انبعاثات الكربون أو التقاطها بتقنيات إزالة الكربون.

تعتبر الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة النووية أكثر أماناً من الفحم والغاز الطبيعي والنفط. ذلك أن الوقود الأحفوري يتسبب فى زيادة معدل الوفيات بسبب تلوث الهواء والغذاء. ولتحقيق اقتصاد طاقة نظيفة بنسبة 100 ٪، فلابد من زيادة الاستثمار في الطاقة النووية والطاقة المتجددة، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.

استخدام الطاقة النووية بديلاً عن الطاقة الأحفورية فى توليد الكهرباء خلال الستين عاماً الماضية، قد منع أكثر من مليوني حالة وفاة بسبب تلوث الهواء. وأمامنا مثال حى من دولة الصين، فقد أعلنت وزارة البيئة في الصين (وهى أكبر دولة تستخدم الفحم)، أن تلوث الهواء ارتفع في المناطق الرئيسية بشمال الصين في الأشهر الأربعة الأولى من هذا العام. ففي منطقة “بكين” قد تم قياس متوسط كمية الجسيمات المحمولة جواً والتي يقل حجمها عن 2.5 ميكرون، والمعروفة باسم PM2.5، والتي تعتبر واحدة من أخطر الملوثات لأنها يمكن أن تخترق عميقاً في الرئتين وتتسبب في أمراض الجهاز التنفسي، فكانت 81 ميكروجرام لكل متر مكعب، والمعيار القياسى الرسمي للصين هو 35 ميكروجرام لكل متر مكعب.

هناك تحديات تواجه مشروعات المحطات النووية، من بينها : انهيار الثقة فى أمان المحطات النووية بسبب الحوادث النووية، والتأخر فى تنفيذ محطات طاقة نووية متطورة وخاصة فى أمريكا وأوروبا، مما تسبب فى زيادة التكاليف – وارتفاع تكاليف إنشاء المحطات النووية الكبيرة – والمنافسة من الغاز الطبيعى والطاقة المتجددة، كل هذا تسبب فى إضعاف إمكانية بناء محطات نووية كبيرة جديدة، خاصة فى أمريكا والدول الأوروبية.

بداية مع كارثة محطة “تشيرنوبيل” فى أوكرانيا عام 1986، والتى كبحت جماح الاستثمار في بناء مفاعلات نووية جديدة في الدول الغربية، حيث انهارت الثقة فى أمان المفاعلات النووية. لكن فى منتصف التسعينيات ومع بداية الجيل الثالث من المفاعلات النووية، لاح فى الأفق حديث عن “نهضة نووية” جديدة، لكن تأتى الرياح بما لا تشتهى السفن، فقد وجهت كارثة فوكوشيما فى اليابان عام 2011 ضربة أخرى للثقة فى أمان المحطات النووية، وكانت السبب الرئيسى فى أن حكومة ألمانيا اتخذت قراراً بالتخلص التدريجى من المفاعلات النووية الشغالة، وأوصدت أبواب الخيار النووى كطاقة نظيفة ورخيصة.

على مستوى مشاريع المحطات النووية وهى مشاريع ضخمة وذات استثمارات كبيرة، نجدها فى بعض الدول مثل روسيا والصين مشاريع قومية تابعة للمؤسسات والهيئات الحكومية، فالحكومة هى المسئولة عن المشاريع النووية فى جميع مراحلها. لكن فى بعض الدول الأخرى مثل الولايات المتحدة، نجد أن مشاريع المحطات النووية تتبع القطاع الخاص، لكنها في ذات الوقت مرتبطة بالتدخل والدعم الحكومي فى وضع خطط وسياسات الأبحاث والتطوير والابتكارات، وكذا سن القوانين والتشريعات التنظيمية، لكى تعمل المنظومة النووية فى جميع مراحلها على أكمل وجه.

الآن تواجه محطات الطاقة النووية الأمريكية الرياح المعاكسة الشديدة. إذ أن سوق الطاقة في أمريكا هو سوق حر، وبسبب المنافسة مع الغاز الطبيعي الرخيص، أصبحت المحطات النووية تحقق خسائر وفى احتياج لدعم حكومي لتعويض هذه الخسائر. والآن ونتيجة للأوضاع المتردية اتخذت بعض الشركات المالكة لمحطات نووية قرارات بغلق هذه المحطات. ونتيجة لذلك، فإن الاستثمار في محطات نووية جديدة أصبح أمر صعب للغاية بالنسبة للقطاع الخاص. فمن بين 54 محطة قيد الإنشاء في جميع أنحاء العالم اليوم، هناك 47 محطة قيد الإنشاء من قبل الشركات المملوكة للدولة.

خلال العشر سنوات الماضية، خسرت الولايات المتحدة الأمريكية مكانها الريادى فى سوق المحطات النووية لصالح روسيا، فقد كانت هى الدولة الرائدة فى هذا المجال، وكان التنافس فى صالح الارتقاء والتطور لهذه المشاريع الضخمة. واليوم تمثل روسيا والصين أكثر من 60% من المحطات النووية الجديدة التي تحت الإنشاء في جميع أنحاء العالم. وبالنظر إلى التحديات المتزايدة لتغير المناخ والتهديدات الأمنية الجيوسياسية والوطنية الأمريكية، فهل ستسمح أمريكا للدول المتنافسة بتحديد مشهد الطاقة النووية ؟، هذا ما سوف نشاهده خلال العشر سنوات القادمة .

من ضمن الضربات الموجعة للاستثمار في محطات الطاقة النووية المتطورة فى أمريكا وأوروبا، كانت : التأخير فى تنفيذ المفاعل الأمريكى المتطور AP1000، مما أدى إلى زيادة التكاليف لأكثر من الضعف. كما أدت الزيادة الكبيرة في التكاليف والتأخير في البناء إلى إلغاء تنفيذ مفاعلين جديدين AP1000 في ساوث كارولينا. وكذا فقد أدى التأخير فى تنفيذ المفاعل الأوروبى المتطور فى كل من فرنسا وفنلندا إلى زيادة التكاليف لأكثر من الضعف.

التأخير فى تنفيذ المحطات النووية وزيادة التكاليف لم يقتصر على أمريكا وأوروبا فقط، لكنه أصبح فيروساً منتشراً فى مشاريع المحطات النووية على مستوى العالم. ووفقا لقاعدة بيانات الطاقة النووية العالمية، فإن ما يقرب من ثلثى المحطات (أى أكثر من 65% من المحطات) الـ 54 والتى هى قيد الإنشاء حالياً متأخرة فى التنفيذ. ويؤدى التأخير فى تنفيذ المحطة النووية إلى زيادة التكاليف وجعل الطاقة النووية أقل تنافسية مع مصادر توليد الكهرباء الأخرى مثل الغاز الطبيعى والفحم والطاقة المتجددة.

خلال العقدين الماضيين، وفى ظل الاتجاه العالمى لزيادة التوسع والاعتماد على محطات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وهى محطات تولد طاقة متقطعة، كان من المفترض أن تنتج الصناعة النووية الأمريكية والغربية مفاعلات نووية صغيرة ومتطورة، لكى تتكامل مع هذه المحطات فى التشغيل، وتتنافس معها فى سعر الكيلو وات ساعة المنتج.

الآن بدأت الأصوات تعلو داخل الولايات المتحدة “لإعادة تأكيد قيادتها العالمية” في مجال المحطات النووية. وأصبحت كل الآمال معقودة على الأجيال القادمة والمتطورة من المحطات النووية، مثل بعض المفاعلات من الجيل الرابع أو من المفاعلات الصغيرة والمتوسطة أو من المفاعلات النووية المتناهية الصغر (مفاعلات المايكرو، وهى مفاعلات تحت 10 ميجاوات حرارى). وأصبحت الأصوات تنادى بدعم الجهود المبذولة لتطوير الجيل القادم من المفاعلات النووية، والتى تمتلك إمكانات هائلة لتوليد الطاقة النظيفة بكفاءة وموثوقية أكبر، وكذا لإصلاح قوانين التصدير وتقليل الحواجز أمام تسويق المفاعلات والتنافس في سوق المحطات النووية العالمي.

هل المفاعلات الصغيرة والمتناهية الصغر يمكن أن تعيد إحياء الخيار النووى ليكون أحد ركائز مصادر الطاقة النظيفة والآمنة والرخيصة ؟، هذا ما سنشاهده خلال السنوات العشر القادمة. هم يقولون انها سوف تعزز استقلالية الطاقة وموثوقية الطاقة، وأنها سوف تتكامل وتتناغم مع محطات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح في المشاركة بتغذية الشبكة بالطاقة الكهربائية بنسب طبقاً لإمكانياتها من توليد الكهرباء، كما أنها سوف تستخدم لإنتاج كل من الطاقة الكهربائية والحرارية للمواقع الصناعية الثقيلة، ويمكن نشرها في المواقع البعيدة، ويمكنها توفير حلول للمناطق الشحيحة بالماء من خلال تحلية المياه. كل هذه آمال نرجو أن تتحقق حتى نعيش في عالم خالٍ من التلوث.

أخيرا، الأمانة تحتم علينا أن نذكر الحقائق كاملة للقارئ العزيز. فهناك دول أوصدت باب المحطات النووية وأغلقت محطاتها النووية، مثل إيطاليا. وهناك دول تبنت سياسة التخلص التدريجى من المحطات النووية، مثل ألمانيا. وأخيراً، وعلى الرغم من أن المحطات النووية فى كوريا الجنوبية : 1- تمثل أولوية استراتيجية للصناعة وللدخل القومى 2- من أرخص مصادر الطاقة لتوليد الكهرباء وتشارك بنسبة 31% فى توليد الكهرباء، 3- صديقة للبيئة فلا يصدر عنها انبعاثات غازات دفيئة، 4- أدائها عالى جداً، ففى السنوات الأخيرة، بلغ متوسط معامل السعة للمفاعلات الكورية 96.5 ٪ ، وهو يعتبر الأعلى على المستوى العالمى، إلا أن رئيس الدولة الجديد والمنتخب فى عام 1917، قال “سيتم مراجعة السياسة الخاصة بشأن محطات الطاقة النووية بالكامل”، وأن البلاد “ستتخلى عن سياسة التنمية المتمركزة على محطات الطاقة النووية والخروج من عصر الطاقة النووية “، وقال “سيتم إلغاء الخطط الخاصة بمفاعلات الطاقة الجديدة ولن يتم تمديد فترات تشغيل الوحدات الحالية إلى ما بعد العمر التشغيلى المحدد طبقاً للتصميم”. وتقول الحكومة الكورية ان التخلص التدريجي من المحطات النووية سيكون على مدار 45 عاماً تقريباً، وإن الطاقة المتجددة “طاقة شمسية وطاقة رياح” يجب أن تشكل 40% من مصادر الطاقة بحلول عام 2040 بما يتماشى مع التوقعات العالمية. وقد أوقفت الحكومة الكورية استكمال بناء محطتين نوويتين، وهما “شين هانوول 3-4” من نوع APR1400، وهما من الجيل الثالث المتطور.

أشكركم وإلى أن نلتقى فى مقالة أخرى لكم منى أجمل وأرق التحيات.

 

 

 

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق