مقالات والابداع

الغاز الطبيعى ولعبة القط والفار

بقلم – الدكتور على عبد النبى:

الاختلاف طبيعة الحياة وهو ضرورة اجتماعية، وأن الحق سبحانه وتعالى يدفع الناس بالناس، ولولا وجود قوة أمام قوة لفسد العالم، فلو سيطرت قوة واحدة فى الكون لفسد، ذلك أن السلطة المطلقة مفسدة مطلقة. وهناك صراع على النفوذ وعلى الثروات ومنها مصادر الطاقة. والنظام العالمى يضعه من يستطيع إدارة الصراع، ومن يستطيع أن يضع شرعية للحروب، ومن لديه القوة لفرض قواعد اللعبة. وخلف كل صراع سياسي إبحث عن الاقتصاد. والصراع الذى نحن بصدده، هو صراع يعكس الرهانات السياسية والاستراتيجية للهيمنة على موارد الغاز الطبيعى وخطوط امتداداتها.

تلعب السياسة الدولية دور هاماً جداً فى حركة تداول الغاز الطبيعى على المستوى العالمى، كما أن هناك عوامل هامة أخرى، منها كميات الإنتاج المتاحة وكميات الاستهلاك وموقع البلاد المنتجة وموقع البلاد المستهلكة ومناطق العبور من البلاد المنتجة إلى البلاد المستهلكة. وإذا نظرنا إلى خطوط إمداد ونقل شحنات الغاز نجدها إما تكون من خلال أنابيت فوق أو تحت سطح الأرض، وإما من خلال أنابيب تحت سطح البحار والمحيطات، أو بواسطة  سفن ناقلة لشحنات الغاز المسال.

لعبة القط والفار هى بين أمريكا وروسيا، فعيون القط وعيون الفار متجهة إلى القارة العجوز، حيث تعتبر قارة أوروبا “دول الاتحاد الأوروبى” من أكبر مستهلكى الغاز الطبيعى فى العالم، كما أن دول الاتحاد الأوروبى هم الأقرب لأكبر احتياطى غاز طبيعى فى العالم والموجود فى روسيا، إذ أن الاحتياطى المؤكد من الغاز الطبيعى فى روسيا هو “1375” تريليون قدم مكعب، والاحتياطى العالمى المؤكد من الغاز الطبيعى هو “6951.8” تريليون قدم مكعب. ولو نظرنا إلى روسيا فنجد أن نسبة اعتماد موازنة الدولة الروسية على عائدات قطاع البترول والغاز قد زادت ووصلت إلى 50%.

هناك دول تلى روسيا فى الاحتياطى المؤكد منها إيران “1127.7” تريليون قدم مكعب وقطر “872.1” تريليون قدم مكعب. لكن إذا نظرنا إلى الاحتياطى المؤكد لغاز شرق المتوسط، والذى تمتلكه عدة دول، فنجده “122” تريليون قدم مكعب، وكما هو واضح من هذا الرقم، فهو يعتبر مقداراً ضئيلاً بالنسبة للاحتياطى المؤكد لدولة واحدة مثل روسيا.

إجمالى ما تستورده أوروبا من الغاز مقداره “16909.96” مليار قدم مكعب فى السنة، سواء عن طريق أنابيب الغاز أو عن طريق شحنات غاز مسال. وروسيا تمتلك نصيب الأسد من هذه الكمية، فهى تمد أوروبا سنويا بكمية من الغاز مقدارها “6846.6” مليار قدم مكعب، فهى توفر ما مقداره 40% من الغاز الطبيعى الذى تحتاجه أوروبا سنويا.

ونظرا للأهمية الاستراتيجية لقارة أوروبا بالنسبة لروسيا، فمن المهم أن تسيطر روسيا على سوق الغاز الأوروبى، لأن الطاقة هى المحرك الأساسى لاقتصاد الدول، والاقتصاد عامل خطير فى تحريك سياسات الدول الأوروبية لصالح روسيا. وهذا من شأنه أن يساعد روسيا على زيادة نفوذها الاقتصادي والجغرافي السياسي فى أوروبا، وكذلك تخفيض حجم المخاطر الاقتصادية والعسكرية التي تهدد أمن روسيا القومى.

لكن فى المقابل نجد أن دول الاتحاد الأوروبى حلفاء لأمريكا، وهم أعضاء فى حزب الناتو، ومن الأهمية بالنسبة لأمريكا أن لا تسيطر روسيا إقتصاديا على دول الاتحاد الأوروبى. لكن نجد أن هناك بعض الدول تقف فى صف روسيا لتصدير الغاز الروسى لأوروبا، ومن أهمهم ألمانيا، حيث وافقت على دخول خطوط أنابيب مباشرة للغاز من روسيا إلى أراضيها ومنها إلى أوروبا.

أمريكا كقوة عظمى تعتبر أن ثروات كوكب الأرض ملك لها، وقد سيطرت على البترول الشرق الأوسط بعد غزو العراق عام 2003، وسقوط ليبيا فى 2011، وهى دول ضعيفة، كما أن أمريكا تسيطر على بترول دول الخليج فى مقابل الحماية، وبذلك فقد انتهى صراع بترول الشرق الأوسط بانتصار أمريكا، لكن مازالت فنزويلا والتى تمتلك أكبر احتياطى بترول فى العالم تقف عقبة أمام أمريكا.

أما إذا تكلمنا عن الغاز الطبيعى، نجد أنه من الصعب أن تسيطر أمريكا على ثروات الغاز الطبيعى، لأن أكبر احتياطى للغاز موجود فى روسيا وتليها إيران وهى دول قوية، ولا يمكن اللعب بها، وهذا فى حد ذاته عقبة أمام مخططات أمريكا.

طبعا روسيا تريد احتكار توريد الغاز لأوروبا، وكذا احتكار السوق العالمى، فهى قوة عظمى وتمتلك أكبر احتياطى غاز مؤكد، وأمريكا تريد ألا تسيطر روسيا على سوق الغاز الأوروبى. لعبة القط والفار هى معركة شرسة تجرى رحاها على من يسيطر على سوق الغاز الأوروبى. وبذلك، أمريكا تخطط لإيجاد غاز بديل للغاز الروسى يتم توريده إلى أوروبا. كما تقوم أمريكا بفرض عقوبات على الشركات المنفذة لأنابيب إمداد الغاز الروسى إلى القارة الأوروبية، حتى يتوقف تنفيذ هذه الأنابيب. كما تؤجج النزاع القائم بين روسيا ودولة أوكرانيا، والتى يمر فيها أنابيب الغاز الروسى إلى أوروبا، حتى يتوقف عبور الغاز لأوروبا.

لخروج أوروبا عن هيمنة الغاز الروسى، فكروا فى استيراد الغاز عبر الأنابيب من منطقة بحر قزوين ومن دول الخليج، مع استيراد كميات من الغاز الطبيعي المسال من دول مثل قطر ومصر والجزائر وأمريكا. وبالنسبة لمنطقة بحر قزوين نجد أن أكبر احتياطى مؤكد تمتلكه تركمانستان، إذ يقدر بـ “688.1” تريليون قدم مكعب، لكن احتياطى أذربيجان المؤكد من الغاز هو “75.2” تريليون قدم مكعب، واحتياطى كازاخستان المؤكد من الغاز هو “35” تريليون قدم مكعب.

جاء خط أنابيب الغاز الطبيعي عبر الأناضول (تاناب) للمساعدة في تقليل اعتماد أوروبا على الغاز الروسي، وهو عبارة عن سلسلة من خطوط الأنابيب التي تنقل الغاز من أذربيجان ومن مناطق أخرى من بحر قزوين، عبر جورجيا وتركيا إلى الأسواق الأوروبية. فى المرحلة الحالية تبلغ طاقته التمريرية “565” مليار قدم مكعب من الغاز سنوياً، حيث تبلغ حصة أوروبا منها “353.1” مليار قدم مكعب سنوياً، وحصة تركيا “211.9” مليار قدم مكعب سنوياً. وفى المرحلة النهائية سوف تبلغ طاقته التمريرية “2118.6” مليار قدم مكعب سنوياً.

هناك محاولة جديدة قامت بها كل من اليونان وقبرص وإسرائيل، حيث وقعت فى 2 يناير 2020 اتفاقاً لمد خط أنابيب (إيست ميد) تحت البحر الأبيض المتوسط، لنقل الغاز الطبيعى إلى أوروبا، بطاقة تمريرية “353.1” مليار قدم مكعب فى السنة. ومن المنتظر أن يعمل هذا الخط فى 2025.

أما إذا تكلمنا عن امدادات الغاز الروسى إلى أوروبا، فهى تتم عبر بيلاروسيا، وكذا عبر خط أنابيب “التيار الازرق” الممتد تحت البحر الاسود، لكن 80% من شحنات الغاز الروسي إلى أوروبا تمر عبر خط الأنابيب المار بالأراضى الأوكرانية.

إحساس روسيا بتنامى قوتها التكنولوجية والاقتصادية والعسكرية، وامتلاكها احتياطيات ضخمة من الغاز الطبيعى والبترول، جعلتها تسعى جاهدة لتعديل بعض الأوضاع فى النظام العالمى، منها تغيير سياسة القطب الأوحد ليصبح العالم يعيش فى ظل تعدد الأقطاب، مع خلق تكتلات اقتصادية وعسكرية جديدة، وكذا فمن الأهمية أن يبتعد حلف “الناتو” عن حدود روسيا، والمتمثل فى محاولة انضمام أوكرانيا إلى حلف “الناتو” وإلى الاتحاد الأوروبى.

كانت الأمور تمشي طبيعية بين روسيا وأوكرانيا، وكانت أوكرانيا تستورد من روسيا ما يزيد عن 47% من احتياجاتها من الغاز سنوياً، وبسعر رخيص جدا وهو “1.42” دولاراً نظير المليون وحدة حرارية، فى حين كان سعر المليون وحدة حرارية فى السوق العالمى يتراوح ما بين “6.2” إلى “6.5” دولاراً. لكن المشاكل بدأت عندما علمت روسيا، أن هناك لقاء قد تم بين الرئيس الأوكرانى ومدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في عاصمة أوكرانيا في منتصف ديسمبر 2005. لذا فقد قررت روسيا أن تضغط وتعاقب أوكرانيا. فبعد انتهاء مدة اتفاق الغاز المعمول به بين الدولتين، قررت روسيا رفع سعر الغاز للسعر المتداول عالمياً، ودخلوا فى مفاوضات وفشلت المفاوضات، مما أدى إلى أن قامت روسيا فى 1 يناير 2006 بقطع إمداد الغاز لدولة أوكرانيا فقط، مع استمرار إمداد الغاز إلى باقى الدول الأوروبية عبر أراضى أوكرانيا.

ورغم أن اقتصار قطع إمدادات الغاز كان على أوكرانيا فقط، إلا أن الدول الأوروبية ومنها المجر والنمسا وبولندا وسلوفاكيا اشتكت من انخفاض نسبة إمدادها بالغاز، وبناء على ذلك فقد اتهمت روسيا أوكرانيا بسرقة الغاز الروسي المخصص لأوروبا، وقالت إن انخفاض الإمدادات في الدول المذكورة يعني أن أوكرانيا تسرق الغاز الروسي المار عبر أراضيها، والمخصص لدول وسط وغرب أوروبا، لأن قطع الإمداد اقتصر على أوكرانيا فقط. قطع إمداد الغاز فى 2006 لم يكن المرة الأولى، بل تكرر عدة مرات، منها، فى يناير 2009، وفى 9 أبريل 2014، وفى 1 يوليو 2015، وفى 25 نوفمبر 2015.

وبذلك أصبحت أمريكا وبعض الدول الغربية تترجم موضوع الغاز الروسى على أنه سلاح فى يد روسيا، تستخدمه بحرفية عالية كوسيلة ضغط سياسية من أجل خدمة سياستها الخارجية.

ولزيادة موثوقية إمدادات الغاز الروسى إلى تركيا والاتحاد الأوروبي، ولكى يكون الاعتماد على أوكرانيا فى توصيل الغاز إلى الدول الأوروبية فى أضيق الحدود، فقد تم تنفيذ خط أنابيب السيل التركى والذى يمر فى البحر الأسود وتركيا إلى أوروبا، وتصل طاقته التمريرية “1112.3” مليار قدم مكعب من الغاز الطبيعي سنويا، ونصيب تركيا من هذا الغاز هو “556.1” مليار قدم مكعب سنويا.

هناك خط أنابيب “السيل الشمالى-1″، بعيدا عن الأراضى الأوكرانية، لضخ الغاز من روسيا عبر بحر البلطيق مباشرة إلى ألمانيا وهى أكبر مستورد للغاز الروسى. تبلغ طاقته التمريرية “1942.0” مليار قدم مكعب سنوياً.

كما تقوم روسيا حالياً بتنفيذ خط أنابيب “السيل الشمالى-2″، وهو موازٍ لخط الأنابيب “السيل الشمالى-1”. تبلغ طاقة الخط التمريرية “3884.0” مليار قدم مكعب سنوياً. وسيتم الانتهاء من تشييد هذا الخط قبل منتصف 2020. نتيجة فرض العقوبات الأمريكية على خط الأنابيب السيل الشمالى-2، فقد أوقفت الشركة الهولندية التى تقوم بمد خط الأنابيب أعمالها. لكن لدى روسيا سفينة متخصصة فى مد خطوط الأنابيب، يمكنها استكمال العمل، لكنها سوف تأخذ وقتاً أطول فى تنفيذ العمل.

كيف ستصبح تركيا بعد تنفيذ خط أنابيب السيل التركى، وخط أنابيب عبر الأناضول، هل ستتحول تركيا إلى مركز إقليمي للغاز الطبيعى، وصمام أمان جديد لأمن الطاقة الأوروبي؟.

أشكركم وإلى أن نلتقى فى مقالة أخرى لكم منى أجمل وأرق التحيات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق