مقالات والابداع

الطاقة من الهيدروجين

بقلم – الدكتور على عبد النبى:

الطاقة هى عماد حياة البشرية، فهى مصدر ديناميكية حياتنا، فبدون الطاقة تسكن الحياة، وينقرض العنصر البشرى من على سطح الأرض. والإنسان الأول كان يحصل على الطاقة من الشمس، ومن الأكل والشرب، ثم بدأ يبحث عن مصادر أخرى للطاقة لإعانته على مواجهة المتطلبات المعيشية، ومتطلبات العمل، ومتطلبات تطوير وامتلاك التكنولوجيا ليعيش فى رفاهية. تخيل لو غابت الشمس عن الأرض، فسوف يغشى الأرض ظلام دامس، وسوف يضرب الصقيع أنحاء الأرض، وتصبح الأرض غير صالحة لوجود المخلوقات عليها من نبات أو حيوان أو إنسان.

هناك شروط تحدد استخدامنا لمصادر الطاقة، فيجب أن تكون طريقة الاستخدام أقل كلفةً وأكثر كفاءةً وأسهل استخداماً وأكثر أماناً. فكم من مصادر طاقة يخيل للإنسان أنها مفيدة للبشرية، ولكن هناك من العيوب التى تحول دون استخدامها، أو يمكن استخدامها لكن فى نطاق محدود.

طاقة الهيدروجين يمكن استخدامها سلماً وحرباً. فالطاقة من الهيدروجين كسلاح حربى “القنبلة الهيدروجينية” من خلال اندماج نووى بين نظائر الهيدروجين “تريتيوم” و “ديوتيريوم” تسبب انفجاراً شديداً يصاحبه موجة ضغط شديدة وحرارة شديدة وضوء شديد، وانطلاق مواد مشعة مدمرة. أما الاستخدام السلمى لطاقة الهيدروجين، نجده فى العديد من التطبيقات، ومنها توليد الكهرباء.

غاز الهيدروجين هو العنصر الأكثر وفرة فى الكون، حيث يوجد في الشمس، ومعظم النجوم، بالإضافة لكوكب المشتري، والذي يتكوّن أغلبه من غاز الهيدروجين. حوالى 75% من جميع المواد تتكون من الهيدروجين. فهو يدخل فى تكوين معظم المركبات العضوية والهيدروكربونية والماء. والهيدروجين فى الطبيعة غالبا ما يكون على شكل جزيئات “H2″، ولا يوجد في صورة غاز منفرد.

غاز الهيدروجين له ثلاث نظائر رئيسية وهى:: البروتيوم، والديوتيريوم، والتريتيوم. البروتيوم “H1” هو أكثر النظائر وجوداً فى الطبيعة، وذرته تحتوى على بروتون واحد والكترون.

وقود الهيدروجين كمصدر للطاقة يعتبر أكثر كفاءة من المصادر الأحفورية الملوثة للبيئة، فالطاقة التى ينتجها حرق كيلوجرام من وقود الهيدروجين تكافئ الطاقة الناتجة من حرق 3 كيلوجرام من البنزين. وكذا يعتبر وقود الهيدروجين من مصادر الطاقة النظيفة، فهو غير ملوث للبيئة، فعند حرقه ينتج بخار الماء.

نظراً لعدم وجود الهيدروجين كغاز على الأرض، فيجب فصله عن العناصر الأخرى. فيمكن فصل ذرات الهيدروجين عن الماء أو جزيئات الغاز الطبيعي أو الكتلة الحيوية. وكيفية استخلاص غاز الهيدروجين من مركباته تعتبر من العناصر الحاكمة فى جدوى استخدامه اقتصادياً. وتكاليف استخراج وقود الهيدروجين عالية، وهى من أهم الأسباب التى أدت تأخر استخدامه. فلابد من البحث عن طرق بسيطة وغير مكلفة.

هناك عديد الطرق لاستخلاص غاز الهيدروجين من مركباته، ويعتبر الماء من أهم مصادر إنتاج الهيدروجين. أولاً: طريقة الإزاحة، عن طريق تفاعل فلزات مثل الصوديوم والمغنسيوم مع الماء، لكن هذه الطريقة مكلفة. ثانياً، طريقة التحليل الكهربى، وهى الأكثر شيوعاً، يتم تحليل الماء المضاف اليه قليل من الملح بين قطبى كهرباء من الصلب، تتفكك جزيئات الماء، إلى أكسجين وهيدروجين، هذه الطريقة مكلفة نسبياً. ثالثاً، طريقة اختزال بخار الماء بالكربون، وهى الطريقة الصناعية لإنتاج غاز الهيدروجين، حيث يتم تحويل الفحم الحجرى إلى الحالة الغازية ومع مرور بخار الماء على الفحم يتولد غاز الهيدروجين. وهناك طرق أخرى، ومنها إمرار بخار الماء على حديد ساخن لدرجة الاحمرار، فيتأكسد الحديد وينتج غاز الهيدروجين. في الصناعة فى أمريكا، تستخدم طريقة فصل ذرات الهيدروجين عن ذرات الكربون في الميثان (CH4). وطريقة البخار المحسن، ويستعمل في العادة مع الغاز الطبيعي الذي تتم معالجته مع بخار الماء تحت حرارة عالية تتراوح ما بين 800 و1700 درجة مئوية في غرفة احتراق وبوجود عامل مساعد. الطرق عديدة ومتنوعة لاستخلاص الهيدروجين، لكن الجدوى الاقتصادية (تكاليف الاستخلاص مع ضمان كمية إنتاج تسمح بالتسويق التجارى) هى التى تحدد طريقة الاستخلاص.

استخدام النانو تكنولوجى سمح للباحثين بتطوير مادة هجينة، من ثنائي أكسيد التيتانيوم تضم تجاويف نانوية، ومغطاة برقائق نانوية من ثاني كبريت الموليبدنوم سمكها ذرة واحدة، هذه المادة تستغل طاقة ضوء الشمس من مدى واسع يضم الأشعة فوق البنفسجية والضوء المرئي والأشعة تحت الحمراء، بحيث يمكنها توليد الهيدروجين من المياه بتكلفة أقل.

وكالة “ناسا” أول من بدأ في استخدام الهيدروجين السائل في الخمسينيات كوقود دفع الصواريخ والمركبات الفضائية، كما استخدمت وكالة “ناسا” خلايا الوقود لأول مرة في عام 1965 لإمداد الأجهزة الالكترونية بالكهرباء خلال رحلة سفينة الفضاء جيمنى 5. خلايا الوقود لا توفر الطاقة فحسب، بل توفر أيضاً الماء لرواد الفضاء. ومع تحسن تكنولوجيا خلايا الوقود، استخدمتها “ناسا” في جميع المهام الفضائية المأهولة، التالية بما في ذلك برامج أبولو ومكوك الفضاء. وللهيدروجين استخدامات صناعية أخرى، منها تكرير البترول ومعالجة المعادن وإنتاج الأسمدة وتصنيع الأغذية.

خلية وقود الهيدروجين لا تحرق الهيدروجين، لكنها تعمل مثل البطارية، وتنتج الكهرباء من خلال تفاعل كهروكيميائي، الذي يولد الكهرباء دون أي احتراق، والعادم عبارة عن ماء. وعلى عكس البطاريات، فخلايا الوقود لا تتآكل ولا تحتاج لإعادة شحن. خلية الوقود تنتج كهرباء وحرارة وماء، وبشكل مستمر طالما يتم توفير وقود الهيدروجين. خلية الوقود الواحدة تنتج حوالي فولت واحد من الطاقة. ولزيادة كمية الكهرباء المولدة، يتم دمج خلايا الوقود الفردية لإنشاء حزمة من خلايا الوقود، حسب الطاقة المطلوبة.

تتكون خلية الوقود من قطبين – القطب السالب (أو الأنود) والقطب الموجب (أو الكاثود) – والإلكتروليت (مادة تحتوي على أيونات حرة تشكل وسطاً ناقلاً للكهرباء) محصور بين القطبين. يتم تغذية الهيدروجين، إلى الأنود، ويتم تغذية الهواء (الأكسجين) إلى الكاثود. في خلية وقود الهيدروجين، يقوم العامل المساعد في الأنود بفصل جزيئات الهيدروجين إلى بروتونات وإلكترونات، والتي تأخذ مسارات مختلفة إلى الكاثود. تمر الإلكترونات عبر الدائرة الخارجية، مما يخلق تدفقاً للتيار الكهربائى. وتهاجر البروتونات عبر الإلكتروليت إلى الكاثود، حيث تتحد مع الأكسجين والإلكترونات لإنتاج الماء والحرارة.

خلايا الوقود الصغيرة تستخدم في تسيير السيارات الكهربائية، وغالبية السيارات الجديدة تستخدم تقنيات خلايا الوقود. وخلايا الوقود الكبيرة تستخدم في توفير الكهرباء للمباني في المناطق النائية غير المتصلة بشبكات الطاقة الكهربائية.

بخلاف خلايا الوقود، يمكن حرق غاز الهيدروجين مباشرة في محرك احتراق داخلى لتسيير السيارات، وهذا المحرك عبارة عن نسخة معدلة من محرك الاحتراق الداخلي التقليدي الذي يعمل بالبنزين. لكن تختلف خصائص احتراق الهيدروجين اختلافاً كبيراً عن البنزين أو الديزل. فهو يحترق بشكل أسرع من البنزين، لذا فإن الحصول على أقصى استفادة من الهيدروجين في محرك الاحتراق الداخلى، يتطلب تحسين شكل غرفة الاحتراق ومعايرة توقيت بدء شرارة الإشعال، من أجل تجنب اضرار الطرق المدمر.

من النادر أن تجد سيارات تعمل بالهيدروجين، بسبب اتجاه مصانع السيارات فى العالم إلى إنتاج الملايين من محركات الاحتراق الداخلى التى تعمل بالبنزين، لأنها أقل تكلفة وموثوقيتها أعلى. فأسعار سيارات وقودِ الهيدروجين أعلى بكثير من سيارة البنزين. كما أن مراكز خدمة سيارات البنزين ومحطات البنزين متواجدة في كل مكان.

ذرة الهيدروجين هي الأصغر على مستوى العناصر، مما يعني أنها تمتلك قدرة على النفاذية، فيمكن أن تخترق مادة الخزان ببطء. ويعتبر تخزين الهيدروجين أحد سلبياته، فهى عقبة من بين العقبات التى تحد من استخدام الهيدروجين كوقود ليكون متاحاً للجمهور. فالهيدروجين في الحالة الغازية لا يصلح كوقود في السيارات لأنه يتطلب صهاريج ضخمة الحجم للغاية إذا لم يُضغط. أما الهيدروجين السائل، فكثافته منخفضة جدا، فهى أقل من كثافة الماء بمقدار 14 مرة،  ويتطلب عزلاً كبيراً، كما يتطلب تجهيزات ومبردات خاصة وكبيرة الحجم وثقيلة الوزن، للإبقاء على حرارة السائل في الصهريج تحت 260 درجة مئوية، كي لا يتحول تدريجيا إلى غاز، فسوف ينفجر الصهريج إذا سخن وتمدد.

أدى ارتفاع تكلفة سيارات وقود الهيدروجين، والأعداد القليلة من محطات التزود بوقود الهيدروجين إلى الحد من عدد السيارات التي تعمل بوقود الهيدروجين. لأن الناس لن يشتروا هذه السيارات إذا لم يكن من السهل الوصول إلى محطات التزود بوقود الهيدروجين.

ولهذه الأسباب، هناك أبحاث مكثفة ومكلفة في عدد من الدول الصناعية ومن ضمنها سويسرا، على إمكانية ضغط غاز الهيدروجين الصافي في قوالب من الأنابيب الكربونية المقبولة الحجم والوزن بالنسبة للسيارة العادية، وبكميات كافية لقطع مسافة أربع أو خمسمائة كيلومتر على الأقل.

يجب دعم مصنعي السيارات في مجال الأبحاث والتطوير لتصنيع سيارات كهربائية خفيفة تعمل بخلايا وقود الهيدروجين بأسعار تنافسية. ولابد من أن تتبنى الدول وضع برامج للمساعدة في تمويل وتطوير محطات التزود بوقود الهيدروجين، لتكون متاحة للجمهور، وذلك للترويج لسوق استهلاكية لسيارات خلايا الوقود الصديقة للبيئة.

أشكركم وإلى أن نلتقى فى مقالة أخرى لكم منى أجمل وأرق التحيات.

 

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق