مقالات والابداع

الشيخ محمد عاشور يكتب “وتتوالى النفحات”

بقلم  : محمد عاشور 

قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: (إِنَّ لِرَبِّكُمْ عزَّ وجلَّ فِي أَيَّامِ دَهْرِكُمْ نَفَحَاتٍ، فَتَعَرَّضُوا لَهَا، لَعَلَّ أَحَدَكُمْ أَنْ تُصِيبَهُ مِنْهَا نَفْحَةٌ لا يَشْقَى بَعْدَهَا أَبَدًا). رواه الطبراني في الأوسط .

 

لقد منّ الله عز وجل علينا وأكرمنا بمواسم للخيرات والبركات والطاعات، ولا يكاد يخرج موسم حتى يدخل آخر، فيها تتضاعف الدرجات، وتتنزل الرحمات، وتتوالى الفيوضات الإلهية على الناس؛ فيغفر الله تعالى لمن يشاء من عباده، ومعنى التعرض لنفحات الله، أي التعرض لهذه المنح وتلك العطاءات الربانية فقد تصيب المؤمنَ نفحةٌ من فيض كرمه وعفوه؛ فلا يشقى بعدها أبدًا.

 

ومن هذه المواسم ليلة النصف من شعبان، والتي توافق ليلة الأحد القادم أي مساء يوم السبت. وليلة النصف من شعبان جاء في فضلها أحاديث كثيرة، وبعضها مختلف في صحتها، لكن جماهير أهل العلم سلفًا وخلفًا على تفضيل هذه الليلة، وأكثرهم على استحباب العبادة فيها.

 

روى الترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله تعالى ينزل ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب”  الترمذي وابن ماجة. أي تنزل رحماته وبركاته، ومغفرته، وإجابة الدعاء لأن الله تعالى منزه عن الجسم والعرض والمشابهة للحوادث.

 

وقال أيضًا: إن الله ليطلع في ليلة النصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن” . البيهقي والطبراني وابن حبان وابن ماجة بسند رجاله ثقات.

والأحاديث كثيرة في فضل هذه الليلة المباركة، لكن الأهمّ هو: كيف تعامل الفقهاء والعلماء مع هذه النصوص مع ضعف أكثرها؟ وماذا قالوا في استحباب قيام هذه الليلة؟

قال الإمام الشافعي في (الأم): “وبلغنا أنه كان يقال: إن الدعاء يستجاب في خمس ليال في ليلة الجمعة، وليلة الأضحى، وليلة الفطر، وأول ليلة من رجب، وليلة النصف من شعبان”. وقال محيي الدين النووي في (روضة الطالبين وعمدة المفتين): “ويستحب استحبابا متأكدا إحياء ليلتي العيد بالعبادة قلت: وتحصل فضيلة الإحياء بمعظم الليل وقيل تحصل بساعة وقد نقل الشافعي رحمه الله في الأم عن جماعة من خيار أهل المدينة ما يؤيده ونقل القاضي حسين عن ابن عباس أن إحياء ليلة العيد أن يصلي العشاء في جماعة ويعزم أن يصلي الصبح في جماعة والمختار ما قدمته.

وقال ابن نجيم في (البحر الرائق): “ومن المندوبات إحياء ليالي العشر من رمضان وليلتي العيدين وليالي عشر ذي الحجة وليلة النصف من شعبان كما وردت به الأحاديث”.

وقال الحطاب في (مواهب الجليل): “قال في جمع الجوامع للشيخ جلال الدين السيوطي [من أحيا ليلتي العيدين وليلة النصف من شعبان لم يمت قلبه يوم تموت القلوب] قال: رواه الحسن بن سفيان عن ابن كردوس عن أبيه”
وبنحوه قال صاحب حاشية الدسوقي.
وقال ابن رجب الحنبلي في (لطائف المعارف): “وليلة النصف من شعبان كان التابعون من أهل الشام كخالد بن معدان ومكحول و لقمان بن عامر وغيرهم يعظمونها و يجتهدون فيها في العبادة وعنهم أخذ الناس فضلها و تعظيمها.
وقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى: “وأما ليلة النصف فقد روى في فضلها أحاديث وآثار، ونقل عن طائفة من السلف أنهم كانوا يصلون فيها، فصلاة الرجل فيها وحده قد تقدمه فيه سلف وله فيه حجة فلا ينكر مثل هذا، وأما الصلاة فيها جماعة فهذا مبنى على قاعدة عامة في الاجتماع على الطاعات والعبادات”

وقال في الفتاوى الكبرى: “إذا صلى الإنسان ليلة النصف وحده، أو في جماعة خاصة كما كان يفعل طوائف من السلف، فهو أحسن.

وقال ابن العثيمين في مجموع فتاواه: ” ومن هذا الباب ليلة النصف من شعبان روي في فضلها أحاديث ومن السلف من يخصها بالقيام ومن العلماء من السلف وغيرهم من أنكر فضلها وطعن في الأحاديث الواردة فيها، لكن الذي عليه كثير من أهل العلم أو أكثرهم على تفضيلها.

وقال وَهْبَة الزُّحَيْلِيّ أستاذ ورئيس قسم الفقه الإسلاميّ وأصوله بجامعة دمشق – كلّيَّة الشَّريعة:
ويندب إحياء ليالي العيدين (الفطر والأضحى) ، وليالي العشر الأخير من رمضان لإحياء ليلة القدر، وليالي عشر ذي الحجة، وليلة النصف من شعبان، ويكون بكل عبادة تعم الليل أو أكثره” ( الفقه الإسلامي وأدلته)
وجلّ علمائنا في الأزهر ودار الإفتاء على استحباب إحياء هذه الليلة بشتى أنواع العبادة.

وإحياء هذه الليلة المباركة مستحب لاندراجها تحت أصل عام وهو استحباب قيام الليل مطلقًا، كما أنهم تساهلوا في العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال.

وقد اعتاد المسلمون على إحياء هذه الليلة المباركة، وهي من النفحات الربانية، وينبغي علينا أن نجدد نياتنا ونخلص قلوبنا، حتى نتعرض لها، فلا يعلم أحدنا متى يكون خلاصه، ونجاته، وفوزه، وأي عمل ينجيه أمام الله عز وجل يوم القيامة، وأي ساعة غفر الله له، وعفا عنه، وكتبه في أهل الجنة؟

فاللهم يا ذا المن ولا يُمَنُّ عليه، يا ذا الجلال والإكرام، يا ذا الطَّول، لا إله إلا أنت، ظهر اللاجئين، وجار المستجيرين، ومأمن الخائفين، إن كنت كتبتنا في أم الكتاب أشقياء، فامحُ عنا اسم الشقاء، وأثبتنا عندك سعداء، وإن كنت كتبتنا عندك في أم الكتاب محرومين مقترًا علينا رزقنا، فامحُ حرماننا، ويسر رزقنا، وأثبتنا عندك سعيداء، موفقين للخير؛ فإنك تقول في كتابك الذي أنزلت: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾” وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق