مقالات والابداع

الثلاثية الكارثية لمحطة فوكوشيما دياتشى النووية اليابانية

بقلم – الدكتور على عبد النبى:

كارثة ولا فى الخيال، فقد أصابت اليابان ثلاثية كارثية مدمرة، تمثلت في زلزال وأمواج تسونامى وعيوب فى تصميم بعض أجزاء من المحطات، أدت إلى تدمير بعض من مفاعلات محطة فوكوشيما دياتشى النووية. وقد عاشت اليابان واحدة من أصعب أيامها في 11 مارس عام 2011  عندما ضرب زلزال فى الساعة 14:46 الساحل الشرقي لليابان، وكان نتيجة ذلك حدوث كارثة لا تزال تعاني منها اليابان حتى الآن. والعالم يشهد أن الكوادر اليابانية قد تعاملوا مع الكارثة النووية بحرفية ومهارة عالية، وكانت منظومة الأمان طبقاً لأسس تصميم المحطات النووية قادرة على مجابهة ومنع الحادثة، أو التخفيف من أضرارها فى حالة حدوثها،  ولكن “أنت تريد وأنا أريد والله يفعل ما يريد”.

تتكون اليابان من سلسلة من الجزر، وغالباً ما تعاني اليابان من الكوارث الطبيعية الخطيرة مثل الزلازل والأعاصير والانفجارات البركانية. إلا أن اليابان تعمل جاهدة لتقليل آثار هذه الكوارث المدمرة، فنجدها تستخدم أحدث التكنولوجيات لتصميم مبانٍ مقاومة للزلازل، فهى تتعرض لحوالي 1500 زلزال في السنة، ولديها حوالي 800 بركان، والشعب اليابانى يعيش بين هذه المخاطر، والكل يعلم أن الطبيعة لها نظامها الخاص ولا تخضع لغطرسة أو إهمال الإنسان. وبالتالى تولدت ثقافة الأمان داخل الشعب اليابانى، وهى ثقافة ذاتية تلازمه، فهو يقظ طوال اليوم لمواجهة كوارث الزلازل. وقد اعتاد اليابانيون على الأعمال الشاقة والجادة من أجل الحصول على لقمة العيش، مما جعل منهم شعباً مثابراً نشيطاً منضبطاً في وقته، مبدعاً في عمله يحترم النظام، كما يتميز بالصدق والأمانة وحسن المعاملة.

عانى الشعب اليابانى من ويلات الحروب، وأهوال القنابل الذرية فى هيروشيما وناجازاكى عام 1945، فهو يعى جيدا ما معنى الإشعاع الذرى وأضراره، سواء كانت جسدية أو نفسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو بيئية، الخ.

تعد كارثة محطة فوكوشيما النووية أسوأ كارثة نووية في التاريخ بعد كارثة محطة “تشرنوبيل” التي وقعت في 26 أبريل عام 1986 فى أوكرانيا. الكارثتان تم تصنيفهما على أعلى مستوى للحوادث النووية، وهو المستوى 7 في مقياس الأحداث النووية والإشعاعية الدولي (INES). لكن كارثة فوكوشيما دايتشى تعتبر كارثة مركبة، فهى تتضمن زلزالاً وتسونامى و6 مفاعلات نووية. فتعتبر أكثر تعقيداً من كارثة تشرنوبيل.

نعم إنها كارثة ثلاثية عزفتها الطبيعة بمشاركة نقاط ضعف فى تصميم أجزاء من المحطات النووية والمسؤولة عن مجابهة أخطار التوسونامى وحركة القشرة الأرضية نتيجة الزلزال ، ومواجهة أخطار انقطاع إمداد الطاقة الكهربائية من شبكة الكهرباء الخارجية. نعم، هى كارثة ويعانى منها الشعب اليابانى حتى الآن. كارثة وحدثت فى هذا البلد المتقدم جداً “اليابان”، وأتساءل ماذا لو حدثت هذه الكارثة فى بلد آخر ؟.

معلومة: مفاعل الماء الخفيف المغلى يستخدم الماء العادى كمهدئ للنيوترونات وللتبريد. وداخل وعاء ضغط المفاعل تمر مياه التبريد على الوقود النووى، وتتحول إلى بخار نتيجة الحرارة المتولدة عن الانشطار النووى المتسلسل، والبخار المتولد يستخدم لدوران توربينة المولد الكهربائى، والذى بدوره يولد كهرباء.

موقع فوكوشيما النووى لتوليد الكهرباء يضم 6 وحدات من المفاعلات النووية من نوع الماء الخفيف المغلى، بقدرة إجمالية 4.7 جيجاوات، وتشترك كل وحدتين فى غرفة التحكم. حيث قدرة الوحدة 1 هي 460 ميجاوات، وقدرة كل من الوحدات من 2 إلى 5 هى 784 ميجاوات، وقدرة الوحدة 6 هى 1100 ميجاوات.

معلومة: بعد إيقاف تشغيل المفاعل، يستمر اضمحلال النظائر الغير مستقرة “المشعة”  قصيرة العمر – والتي تولدت من الانشطار النووى المتسلسل أثناء تشغيل المفاعل – ولفترة بعد توقف التفاعل المتسلسل، بمعنى أن هذه النظائر تظل تشع جسيمات وخاصة أشعة بيتا، لكى تصل لحالة الاستقرار. وبذلك فإن المصدر الرئيسي لإنتاج الحرارة في قلب مفاعل بعد توقف التفاعل المتسلسل، ناتج عن “اضمحلال بيتا”، وتسمى الحرارة الناتجة من هذا الاضمحلال “حرارة الاضمحلال”. وبذلك يحتاج قلب المفاعل إلى تبريد مستمر لمدة عدة أيام للوصول إلى حالة الإيقاف البارد. ويتطلب ذلك استمرار تشغيل طلمبات التبريد الرئيسية أو منظومات التبريد الاحتياطية.

لا قدر الله، إذا لم يكن هناك نظام تبريد يعمل على إزالة “حرارة الاضمحلال” من قلب مفاعل، فقد تتسبب “حرارة الاضمحلال” في وصول قلب المفاعل إلى درجات حرارة “شديدة” غير آمنة في غضون بضع ساعات أو أيام، اعتماداً على نوع قلب المفاعل. ودرجات الحرارة الشديدة تؤدي إلى انصهار قلب المفاعل.

الزلزال، هو أول عنصر فى الثلاثية المدمرة. لحظة وقوع الزلزال كان فى موقع محطة فوكوشيما دايتشى النووى ما يقرب من 6400 موظف وكانت مفاعلات الوحدات 1 و2 و3 فى التشغيل العادى. ومفاعل الوحدة 4، كان متوقفاً للصيانة، ولا يوجد وقود نووى فى قلب المفاعل، حيث تم تفريغ الوقود من قلب المفاعل ووضع فى حوض تخزين الوقود. ومفاعل الوحدة 5، كان متوقفاً للصيانة، وكان الوقود محملاً فى قلب المفاعل، لكن “حرارة الاضمحلال” كانت منخفضة نسبياً نتيجة توقفه لفترة طويلة، وكان يتم الاستعداد لاختبار التسرب من وعاء ضغط المفاعل (الذى يحتوى على قلب المفاعل) بضخ المياه بداخله وضغطها بواسطة مضخة. ومفاعل الوحدة 6، كان متوقفاً للصيانة، وكان فى حالة الإيقاف البارد، وكان قلب المفاعل محملاً بالوقود، وارتفاع المياه كان كافياً لتغطية قلب المفاعل الذى به الوقود النووى.

الزلزال المدمر والذى بلغت قوته 9 درجات على مقياس ريختر والذى استمر لأكثر من دقيقتين، أدى إلى تسارع في حركة القشرة الأرضية للشاطئ الشرقى لليابان والمتواجد به موقع فوكوشيما النووى. ونتيجة هذا التسارع، عانت الوحدة رقم 2 من قوة تسارع “جى” مقدارها  0.56. والوحدة رقم 3 عانت من قوة تسارع مقدارها 0.52، والوحدة رقم 5 عانت من قوة تسارع مقدارها 0.56، وكانت هذه الوحدات مصممة لمجابهة قوة تسارع مقدارها 0.45. لكن الوحدات 1 و4 و6 عانت من قوة تسارع فى الحدود التصميمية المسموح بها.

لحظة حدوث الزلزال شعرت الحساسات (المستشعرات) الموجودة فى المحطات 1 و2 و3 بالزلزال، فصدر عنها أمر إليكترونى لتشغيل أنظمة وقاية المفاعل، والتى أصدرت أوامرها الآلية لإيقاف تشغيل مفاعلات الوحدات 1 و2 و3، وبدون تدخل عامل التشغيل. هذه الإجراءات تتم وفقاً لأسس التصميم، وهى حالة من حالات الطوارئ. ولكى يتم إيقاف تشغيل المفاعل النووى، فلابد من إيقاف التفاعل الانشطارى المتسلسل بواسطة إدخال أعمدة التحكم الآلى بالكامل داخل قلب المفاعل، وذلك بغرض امتصاص النيوترونات التى تولدت فى قلب المفاعل ومنع توالد نيوترونات جديدة.

فى الوضع الطبيعي وأثناء تشغيل المحطة النووية، تقوم المحطة النووية بضخ الكهرباء المتولدة منها فى الشبكة العمومية الخارجية. لكن عندما تتوقف المحطة النووية عن العمل للصيانة أو فى حالات الطوارئ، تقوم الشبكة العمومية بضخ الكهرباء إلى المحطة النووية، بغرض تشغيل طلمبات التبريد الرئيسية ومنظومات التبريد الاحتياطية وكذا باقى المعدات والأجهزة المسؤولة عن منظومة أمان المحطة النووية.

بعد توقف مفاعلات الوحدات 1 و2 و3 عن التشغيل نتيجة الزلزال، واصل الوقود النووي داخل قلب كل محطة نووية فى توليد الحرارة (حرارة الاضمحلال). ولمنع ارتفاع درجة حرارة الوقود النووي، فلابد من إزالة هذه الحرارة عن طريق أنظمة التبريد التي يتم تشغيلها أو التحكم فيها بواسطة الطاقة الكهربائية.

نتيجة الزلزال تكسرت مواسير البخار الرئيسية في مفاعلات الوحدات 1 و2 و3، والتى تنقل بخار المفاعلات للتوربينات، وبذلك صدرت إشارة عزل للتوربينات عن المفاعلات، وتم إغلاق صمام عزل البخار الرئيسي فى كل محطة، وتوقف البخار عن الضخ للتوربينة. وبذلك توقفت دائرة التبريد الرئيسية، والتى تستخدم طلمبة تغذية المياه فى ضخ مياه المكثف إلى داخل قلب المفاعل النووى لتبريد الوقود النووى. وصدرت الأوامر لتشغيل منظومات التبريد الاحتياطية.

ومن شدة الزلزال فقد تهدمت ساحة المفاتيح الكهربائية داخل موقع المحطة، ومحطة المحولات خارج موقع المحطة، وخطوط الكهرباء التي توفر طاقة التيار المتردد من الشبكة العمومية إلى داخل موقع المحطة، مما أدى إلى انقطاع كهرباء الشبكة العمومية عن تغذية منظومة أمان المحطة النووية. ويسمى ذلك بـ “فقدان كهرباء خارج الموقع”، وهى ضمن أسس تصميم المحطة النووية.

الآن تولدت مشكلة، وهى أن وحدات التحكم فى تشغيل منظومات التبريد الاحتياطية للوحدات 1 و2 و3، محتاجة تغذية كهربائية لإنتاج إشارات التحكم.

لا توجد مشكلة، ففقدان التغذية الكهربائية من خارج الموقع ليس مشكلة، فهى موضوعة فى الاعتبار، فهى ضمن أسس تصميم المحطة. واستجابة إلى حالة “فقدان كهرباء خارج الموقع”، بدأت وحدات الطاقة البديلة في الموقع، وهى مولدات الديزل في حالات الطوارئ. ومحطة فوكوشيما دايتشى بها 13 مولد ديزل طوارئ، منها ما هو يبرد بالمياه، ومنها ما هو يبرد بالهواء. مولدات الديزل بدأت فى التشغيل تلقائياً لاستعادة التغذية الكهربائية من التيار المتردد إلى جميع الوحدات الست. وبذلك أصبحت منظومة الأمان النووى والمسئولة عن تبريد قلب المفاعل فى الوحدات 1 و2 و3، تعتمد على كهرباء مولدات الطوارئ “الديازل”.

اعتماداً على كهرباء مولدات الطوارئ “الديازل”، بدأ تبريد المفاعلات بعد إيقاف تشغيلها وعزلها عن التوربينات الخاصة بها عند ضغط المفاعل العالي.

فى مفاعل الوحدة 1، نجد أن نظام تبريد لقلب المفاعل لا يحتاج كهرباء، أى بدون طلمبات، فهو يعتمد على استخدام طاقة الوضع من الجاذبية الأرضية، لكنه يحتاج فقط إلى إشارة تحكم كهربائية. هذا النظام يستخدم “مكثف” لتكثيف بخار المفاعل ويسمى “مكثف العزل”. ومكثف العزل هو ضمن نظام احتياطى يعمل فى فى حالات الطوارئ عندما لا يكون المكثف الرئيسي متاحاً، ويقوم بتبريد وتكثيف البخار الناتج من المفاعل بدلاً من المكثف الرئيسي. ويتم مراقبة والتحكم فى معدل التبريد عن طريق خفض ضغط المفاعل، والذي بدوره يؤدى إلى انخفاض درجة حرارة المفاعل. وقد أدى تشغيل دائرتى مكثف العزل إلى خفض ضغط المفاعل ودرجة حرارته بشكل سريع، لدرجة أن المشغلين أوقفوهم يدوياً – ووفقاً للإجراءات – من أجل منع الاجهاد الحراري على وعاء ضغط المفاعل والذي قد ينتج مع زيادة معدل التبريد. بعد ذلك، تم تشغيل دائرة واحدة فقط بواسطة المشغلين، للتحكم في ضغط المفاعل وفي نطاق تحدده الإجراءات.

هناك طريقة أخرى لخفض ضغط المفاعل عن طريق تبريد وتكثيف البخار من المفاعل، وتعتمد على فتح صمامات تخفيف الأمان للبخار. فعندما يرتفع ضغط المفاعل، يتم استخدام صمامات تخفيف الأمان لإطلاق البخار من وعاء ضغط المفاعل إلى حوض الاخماد (المياه) فى وعاء الاحتواء الأولي، وبالتالي يوقف ارتفاع الضغط.

تخفيض الضغط عن طريق صمامات تخفيف الأمان، يجب أن يتبعه حقن ماء فى وعاء ضغط المفاعل لتعويض البخار الذي يذهب إلى حوض الإخماد فى وعاء الاحتواء الأوّلي، في حين أن إزالة الضغط عن طريق مكثف العزل لا يتطلب مثل هذه الإجراءات، حيث يتم تكثيف البخار في مكثف العزل ويعود الماء الناتج من تكثيف البخار إلى عاء ضغط المفاعل.

ملاحظة: تم تصميم كل من منظومة مكثف العزل و صمامات تخفيف الأمان لبدء التشغيل آلياً عندما يرتفع ضغط المفاعل، لكن منظومة مكثف العزل تبدأ العمل في وقت مبكر عن صمامات تخفيف الأمان لأنها تعمل عند ضغط أقل.

في مفاعلات الوحدات من 2 إلى 6، نجد أن وحدات التبريد الاحتياطية، عبارة عن أنظمة تبريد مفتوحة الدائرة، وهى تحتاج إلى مصدر مياه لتعويض مياه قلب المفاعل وتسمى “أنظمة تبريد عزل قلب المفاعل”. يستخدم البخار الخارج من المفاعل فى تشغيل توربينة صغيرة خاصة بطلمبة حقن مياه، لتقوم بحقن مياه التعويض من صهريج تخزين مياه تحت ضغط عالٍ إلى قلب المفاعل، وبخار التوربينة يتم تكثيفه إلى ماء فى حوض الإخماد. وفى حالة فراغ صهريج التخزين من المياه، تستخدم المياه التي تراكمت في حوض الإخماد لحقنها فى قلب المفاعل، مما يجعل النظام دائرة مغلقة. تم تصميم هذا النظام للعمل لمدة أربع ساعات على الأقل.

فى الوحدة 2، قام المشغلون بتشغيل نظام التبريد الاحتياطى يدوياً. ومع ذلك، فقد توقف النظام تلقائياً على الفور تقريباً، حيث كان مستوى الماء في المفاعل أعلى من مستوى منسوب المياه المحدد مسبقاً لتشغيل النظام. في نهاية المطاف، أدى ضغط وعاء المفاعل المتزايد إلى تنشيط صمام تخفيف الأمان، والذي تم تصميمه لحماية وعاء ضغط المفاعل من الارتفاع الشديد للضغط، عن طريق تصريف البخار في حوض الإخماد. هذا أدى إلى انخفاض في مستوي المياه في المفاعل. واستجابة لذلك، قام المشغلون بتشغيل نظام التبريد الاحتياطى يدوياً.

في الوحدة 3، مع زيادة الضغط داخل وعاء ضغط المفاعل اشتغل صمام تخفيف الضغط تلقائياً أولاً، وتم تصريف البخار في حوض الإخماد. هذا أدى إلى انخفاض في مستوي المياه في المفاعل، واستجابة لذلك، قام المشغلون بتشغيل نظام التبريد الاحتياطى يدوياً.

في الوحدة 4، كان قد تم نقل حزم الوقود من قلب المفاعل إلى حوض الوقود المستهلك والذي يحتوي على أكثر من 1300 حزمة وقود مستهلك، ونتيجة فقد كهرباء الشبكة العمومية، بدأ تشغيل معدات تبريد وملء مياه حوض الوقود المستهلك بواسطة مولدات الديزل، حيث كانت كمية حرارة الاضمحلال كبيرة ويجب إزالتها.

في الوحدة 5، الضغط داخل وعاء ضغط المفاعل كان مرتفعاً نتيجة استخدام مضخة لاختبار الضغط في الوقت الذي حدث فيه الزلزال، واستمر الحفاظ علي الضغط عند مستوى مرتفع. ثم انخفض الضغط في البداية عندما توقفت المضخة لأنها فقدت الطاقة نتيجة فقد كهرباء الشبكة العمومية. بدأ الضغط في الارتفاع مرة أخرى في وعاء ضغط المفاعل والمملوء بالماء، نتيجة حرارة الاضمحلال، ولكن بخلاف الوحدة 2 و3، حيث استمر لبعض من الوقت أقل بكثير من المستويات التي من شأنها تشغيل صمام تخفيف الأمان.

في الوحدة 6، كانت درجة حرارة الاضمحلال منخفضة، وكان ضغط وعاء ضغط المفاعل بالقرب من الضغط الجوي وعند درجة حرارة الجو. لذلك ، كانت الزيادة في ضغط المفاعل ودرجة حرارته وانخفاض مستوى المفاعل بطيئا، مع عدم الحاجة إلى إزالة الحرارة فورا بعد فقد كهرباء الشبكة العمومية.

حوض الوقود المستهلك فى جميع الوحدات وكذا حوض الوقود المستهلك العمومى، كلها فقدت قدرات التبريد وإعادة الملء نتيجة فقد كهرباء الشبكة العمومية. وبدأت درجات حرارة مياه الأحواض في الزيادة بسبب حرارة الاضمحلال، وبدأ الاعتماد على كهرباء مولدات الديازل. حوض الوقود المستهلك العمومي يقع في مبنى منفصل بالقرب من الوحدة 4، ويخزن أكثر من 6000 حزمة من الوقود المستهلك، ويحتاج إلى إزالة حرارة الاضمحلال.

إلى هذا الحد لا توجد مشكلة، فالمفاعلات النووية يتم تغذيتها بالكهرباء من ديازل الطوارئ الخاصة بكل وحدة، لكن حدث ما لا يُحمَد عقباه.

أمواج التسونامى، وهى العنصر الثاني من الثلاثية المدمرة. وكارثة فوكوشيما النووية تبدأ مع أمواج التسونامى.

بعد وقت قصير من صدمة الزلزال الرئيسية، أصدرت وكالة الأرصاد الجوية اليابانية (JMA) تحذيرات من كارثة تسونامي، في البداية تنبأت بموجة ارتفاعها من 3 إلى 4 أمتار على الساحل الشرقي لليابان، والتي يقع عليها موقع فوكوشيما دايتشي NPP. وتم تحديث هذه التوقعات في الساعة 15:14 إلى 6 متر، والساعة 15:31 تحدثت عن 10 متر. بناءً على هذا التحذير من تسونامي، تم إصدار إعلان من غرف التحكم الرئيسية عبر نظام مكبرات الصوت إلى الموظفين للابتعاد عن الأماكن المنخفضة والذهاب إلى الأماكن المرتفعة.

ضربت موجة تسونامي الثانية موقع فوكوشيما دايتشي الساعة 15:36، وبارتفاع يصل إلى 14.5 متراً. وكان الموقع محمياً من الموجة الأولى، والتي كان ارتفاعها يتراوح بين 4 إلى 5 أمتار، بواسطة جدران عازلة لموجات التسونامي، وهي حاجز أمواج، الذي تم تصميمه للحماية من ارتفاع أمواج تسونامي التى يصل ارتفاعها إلى 5.5 متر.

اجتاحت الموجة الجدران البحرية وأغرقت الموقع. لقد غمرت جميع المنشآت والمعدات الموجودة على شاطئ البحر، وكذلك المباني الرئيسية، بما في ذلك المفاعل والتوربينات ومباني الخدمات.

اماكن تواجد مولدات الديزل والبطاريات، هى العنصر الثالث فى الثلاثية المدمرة. جاءت الرياح بما لا تشتهيه السفن، حيث جاءت موجة التسونامى بعد وقوع الزلزال. ودمرت مضخات مياه البحر الخاصة بتبريد المكثف الرئيسي لجميع المفاعلات، مما أدى إلى فقدان التبريد لجميع المفاعلات، بما فيها مولدات الديزل التى تعتمد على المياه فى تبريدها. كما أغرقت مولدات الديزل، وغمرت المفاتيح الكهربائية والبطاريات، وكلها تقع في الطوابق السفلية لمبني التوربينات. هذا يعني أن النظم والمكونات الأساسية للمفاعلات، بما في ذلك مولدات الديزل في حالات الطوارئ والمبردة بمياه البحر، توقف تبريدها. مما أدى إلى فقد مصدر التيار المتردد في حالات الطوارئ.

مخصص لكل مفاعل مولدين ديزل، ومفاعل الوحدة 6 مخصص له ثلاث مولدات ديزل. وكانت الوحدات 2 و4 و6 تحتوي على مولد ديزل تبرد بالهواء.

واحد فقط من مولدات الديزل والتى تبرد الهواء – فى الوحدة 6 – لم تتأثر بالفيضانات نظراَ لوجوده في الطابق الأول من مبنى منفصل لمولدات الديزل وعلى ارتفاع مرتفع.  واستمر في العمل، وفي توفير التيار المتردد لأنظمة الأمان للوحدة 6 والسماح بتبريد المفاعل.

لكن مولدات الديزل التي تم تبريدها بالهواء في الوحدات 2 و4، والموجودة في الطابق الأرضي من مبنى الوقود المستهلك لم تتأثر بالفيضانات. لكن المفاتيح الكهربائية، ومراكز توزيع الكهرباء، ولوحات الكهرباء، تعرضت لتدمير من مياه التسونامى.

جميع الوحدات مجهزة ببطاريات كمصدر للتيار المستمر في حالات الطوارئ، لكن الفيضانات أثرت أيضاً على هذه المعدات في الوحدات 1 و2 و4، حيث غمرت البطاريات ولوحات توزيع الكهرباء والموصلات. ونتيجة لذلك، فقدت طاقة التيار المستمر تدريجياً في الوحدات 1 و2 و4 خلال الدقائق 10-15 الأولى من الفيضان، مما جعل من الصعب التعامل مع انقطاع التيار الكهربائي في المحطة.

فى الوحدات 3 و5 كان التيار المستمر متاحاً. كما أنه فى الوحدة 6 كان التيار المتردد متاحاً من مولد الديزل. توفير الطاقة الكهربائية أتاح للمشغلين مراقبة حالة الوحدات، حيث كانت أجهزة غرف التحكم تعمل. سمح ذلك للمشغلين بمتابعة إجراءاتهم المطبقة استجابةً للأحداث:

نظرًا لفقدان جميع مصادر الطاقة الكهربائية في الوحدة 1 و2، لم تكن هناك مؤشرات متاحة للمشغلين حول حالة الأنظمة والمكونات الرئيسية لتحديد ما إذا كانت أنظمة السلامة تعمل بشكل صحيح، أو تعمل على الإطلاق.

تم إعلان حالة طوارئ على أساس “عجز حقن الماء في نظام التبريد الأساسي للطوارئ” للوحدتين 1 و2، وذلك في غضون ساعة واحدة من فقدان التيار المتردد في حالات الطوارئ والتيار المستمر.

وفي الساعة 16:45،تم تنفيذ “إجراءات تشغيل الحوادث الشديدة”، وبدأ الموظفون في “مركز الاستجابة لحالات الطوارئ” وفى “غرف التحكم” في وضع استراتيجية لمجابهة التدهور المحتمل فى المفاعلات.

سوف أتوقف عند هذا الحد، وحتى لا أكون سبب تعب وإرهاق لكم. لكن لأن هذه الكارثة معقدة جدا وصعبة جدا، فهى محتاجة مجلدات. وسوف أتناول هذه الكارثة فى عدة مقالات قادمة، وحتى أقدم لكم الجوانب الأخرى من الأضرار التى لحقت باليابان ” اشعاعية واقتصادية واجتماعية ونفسية وبيئية و الخ”.

أشكركم وإلى أن نلتقى فى مقالة أخرى لكم منى أجمل وأرق التحيات.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق