مقالات والابداع

الاندماج النووي

بقلم – الدكتور على عبد النبى:

الشمس هي سر الحياة على الأرض، وهي مصدر الضوء والحرارة، وتعتبر المصدر الرئيسى للطاقة على الأرض؛ ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً﴾ يونس-5، أى جعل الشمس ضياءً مع الحر والقمر نوراً بلا حر، فهى سِرَاج وَهَّاج أي تجمع بين الضوء والحرارة.

والانسان دائما يحاكى ما خلقه الله وسخره له، فالطائرات والغواصات والمركبات والسفن، هى محاكاة للطيور وللأسماك والدواب وخلافه. وكذا الاندماج النووى هو محاكاة للتفاعلات التى تتم فى باطن الشمس، والتى ينتج عنها طاقة هائلة، والتى تمدنا بالحرارة والنور والحياة. فبدون الاندماج النووى ما وجدت الشمس ولا النجوم.

ويعتبر الهيدروجين هو المكون الأساسى للشمس، حيث يشكل الهيدروجين ثلاثة أرباع مكونات كتلة الشمس. وفى باطن الشمس تكون الكثافة عالية (150 مرة أعلى من كثافة الماء) والضغط عالي (250 مليار ضغط جوى) والحرارة تصل إلى أكثر من 15 مليون درجة مئوية، وهي بيئة مناسبة لحدوث البلازما لذرة الهيدروجين، أى تتجرد ذرة الهيدروجين من الإلكترون الوحيد الذى تمتلكه، وتصبح نواة الهيدروجين ببروتون واحد (ذرة الهيدروجين تتكون من بروتون والكترون وبدون نيوترون). ومع الضغط العالى والحرارة العالية فى باطن الشمس يحدث اندماج أربع بروتونات حرة (نوى الهيدروجين) مكونة جسيم ألفا (نوى هيليوم)، وبذلك يعتبر باطن الشمس هو مفاعل نووى اندماجي قدرته 386 مليار مليار جيجاوات. نتيجة التفاعلات الاندماجية داخل هذا المفاعل يتحول حوالى 700 مليون طن من الهيدروجين إلى حوالى 695 مليون طن من الهيليوم فى كل ثانية (باطن الشمس يحتوي على 60% من الهيليوم)، والفرق فى الكتلة ومقداره 5 مليون طن (0.7% من الكتلة) يتحول إلى طاقة (الطاقة = الكتلة × مربع سرعة الضوء)، وهى طاقة كهرومغناطيسية كالأطوال الموجية القصيرة (أشعة جاما وأشعة إكس) والتي تختار طريقها إلى سطح الشمس، هذه الأشعة قصيرة الموجة تصاحبها أشعة مرئية عند وصولها لسطح الشمس.

وتنتقل حرارة الشمس من باطنها حيث تقل درجات الحرارة باتجاه الخارج، إذ تصبح درجة الحرارة على سطحها (طبقة الفوتوسفير) حوالي 5000 درجة مئوية. ثم تنتقل طاقة الشمس من ثم إلى الفضاء على شكل أشعة. وأشعة الشمس أو ضوء الشمس هو عبارة عن مجموع من الموجات الكهرومغناطيسية، يمكن للإنسان رؤية جزء منها “ضوء مرئى” (تقدر نسبته بنحو 37% من جملة الإشعاع الشمسي). وبقية الموجات الكهرومغناطيسية لا تري بالعين المجردة، وهى تتمثل فى الأشعة الحرارية أو الأشعة تحت الحمراء (تقدر نسبتها بنحو 50% من جملة الإشعاع الشمسي)، وهى تساعد على  تحسين سير الدورة الدموية والتخلص من السموم المتراكمة في جسم الانسان، ولكنها ضارة لأنها تسبب إصابة العين بالضرر، والالتهاب القيحي وسرطان الجلد. والأشعة فوق البنفسجية أو الأشعة الحيوية (تقدر نسبتها بنحو 13% من جملة الإشعاع الشمسي)، وهى مفيدة فى نمو الكائنات الحية وعلاج الأمراض مثل الكساح والسل، ولكنها ضارة لأنها تسبب سرطان الجلد وانفصال شبكة العين وتقضي على المضادات الحيوية التي ينتجها جسم الإنسان.

كل الظروف مواتية فى الشمس لتحويل غاز الهيدروجين إلى حالة البلازما وحدوث الاندماج النووى، لكن كيف يحاكى الانسان تفاعل الاندماج النووى الشمسى لكى يحصل على طاقة الاندماج النووى ويسخرها لخدمته. فعمليات الاندماج تتطلب وقوداً وبيئة محصورة للغاية مع درجة حرارة عالية وضغط عالى، لحدوث حالة البلازما للغاز وحدوث الاندماج بين نوى الغاز، فالوقود هو من نظائر غاز الهيدروجين، والبلازما هي الحالة الرابعة للمادة (الصلبة والسائلة والغازية هي الثلاثة الأخرى). ويمكن وصف البلازما على أنها “غاز مشحون كهربيا” حيث يتم فصل الإلكترونات سالبة الشحنة من الذرات تماما ويبعدها عن نوى الذرات ويصبح الغاز موجب الشحنة “أيونات”. ولكى يحدث اندماج بين نوى الذرات والتى تحمل شحنة موجبة مما يولد قوة تنافر كهروستاتيكية تدفعهم إلى الابتعاد عن بعض، يجب أن تكون نوى الذرات بالقرب من بعض بدرجة كافية ولفترة طويلة بما فيه الكفاية، وأن تكون القوة المسلطة عليهم لكى تجذبهم لبعض  أكبر من القوة الكهروستاتيكية التي تدفعهم إلى الابتعاد عن بعض.

والهيدروجين هو أخف العناصر وأكثرها وفرة فى الكون، حيث يشكل 75% من الكتلة بالنسبة لباقي العناصر، وأكثر من 90% بالنسبة لعدد ذرات العناصر في الكون. ذرة الهيدروجين تحتوى على بروتون واحد فقط فى النواه ودون وجود نيوترونات، ويدور حول النواة الكترون واحد فقط. ثم يلى الهيدروجين عنصر الهيليوم حيث يعتبر أخف ثانى العناصر فى الكون بعد الهيدروجين. وهناك نظير للهيليوم، هو هيليوم-4، وهو أكثر ثباتا ووفرة، ونواة ذرته تتكون من 2 بروتون و2 نيوترون (تركيب جسيمات ألفا) ويدور حول النواة 2 الكترون. ينتج النظير هيليوم-4 في الأرض كناتج لعملية اضمحلال “ألفا”  للعناصر المشعة الأثقل حيث تنتج جسيمات “ألفا”، والتي هي عبارة عن نوى هيليوم مشحونة، وهذا النظير ينتج فى الكون من الاندماج النووى فى الشمس وفى النجوم.

والهيدروجين له ثلاثة نظائر ثابتة متوفرة فى الطبيعة، وكل نظير له أسم. النظير الأول يسمى “بروتيوم” وهو الهيدروجين الذى سبق ذكره فى هذا المقال، ونواة ذرته تحتوى على بروتون واحد فقط، ويدور حول النواة الكترون واحد. والنظير الثانى يسمى “ديوتيريوم”، ونواة ذرته تحتوى على بروتون واحد فقط ونيوترون واحد، ويدور حول النواة الكترون واحد. والنظير الثالث يسمى “تريتيوم” وهو نظير مشع، ونواة ذرته تحتوى على بروتون واحد فقط و2 نيوترون، ويدور حول النواة الكترون واحد. كما أن للهيدروجين أربعة نظائر أخرى أثقل ولكنها غير ثابتة، وهى مصنعة فقط مخبرياً.

وبعيدا عن الشمس، ومن أجل تنفيذ عملية الاندماج النووى على الأرض، فهناك أبحاث كثيرة فى هذا المجال وفى أماكن متفرقة مثل فرنسا وأمريكا وألمانيا، ومن بين هذه الأبحاث طريقة الحبس بالقصور الذاتى Inertial confinement fusion (ICF)، والتى يتم إجراء تجاربها فى المرفق الوطنى للإشعال بالليزر فى أمريكا، حيث يتم تحفيز قرص وقود مكون من “ديوتيريوم وتريتيوم”، وهو فى حجم سن القلم، حيث يتم رفع درجة حرارته وضغطه بدرجة عالية جدا بواسطة الليزر. فحين يسلط شعاع ليزر ذو طاقة عالية على قرص الوقود، تسخن الطبقة الخارجية وتتفجر إلى الخارج مما يسبب ضغطاً عالياً على جزء القرص الداخلي. وفي استطاعة تلك الموجات التصادمية الناشئة من الخارج إلى الداخل أن تضغط قرص الوقود وترفع درجة حرارته، فتتيح فرصة سير عملية التفاعل الاندماجى.

كما أن هناك أبحاثاً تتم فى فرنسا، حيث يوجد مفاعل اندماج نووى كبير “إتر-توكاماك” ITER tokamak، وفيها تتشكل البلازما في غرفة مفرغة على شكل كعكة دونات. حيث يتم تسخين الغازات “الديوتيريوم والتريتيوم” إلى درجات حرارة عالية للغاية بحيث تصبح الذرات مؤينة بالكامل (بلازما). والفكرة التصميمية لمفاعل الاندماج النووى تتلخص فى كيفية تركيز وحصر البلازما فى منطقة بعيدة عن جدران غرفة التفاعل، وذلك بواسطة مجال مغناطيسى قوى، بحيث ان هذا المجال القوى يمنع البلازما من الهروب إلى الجدران، حتى لا يحدث فقد لحرارة البلازما فى جدران الغرفة وحتى تستمر حالة البلازما وبكثافة عالية. وعندما تندمج نوى “الديوتيريوم والتريتيوم”، يكون الناتج نواة “الهيليوم”، و”نيوترون” والكثير من الطاقة.

فعلا استطاع العلماء الوصول إلى درجات حرارة عالية للغاية، وهى أعلى من حرارة باطن الشمس بعشرة أضعاف والتي تصل إلى 150 مليون درجة مئوية. ولابد وباستخدام ملفات خاصة، يتم إنشاء مجال مغناطيسي قوى، مما يجعل البلازما مركزة ومحصورة فى خط سير بحيث تلف وتدور داخل فراغ الغرفة بطريقة حلزونية، ودون لمس لجدار الغرفة. وعند حدوث حالة البلازما للغاز عند درجات الحرارة العالية يحدث الاندماج بين نوى الغاز، ولكن لابد من تركيز وحصر البلازما، عن طريق مجال مغناطيسى قوى. كما أنه لابد من التحكم في النيوترونات التي تنتج من الاندماج أثناء التفاعل، لأن خبطات النيوترونات لها تأثير مدمر فى المواد، ومع مرور الوقت يمكن أن تتدهور حالة المواد المستخدمة داخل غرفة التفاعل. ولقد تم إنتاج طاقة مقدارها ميجاوات من هذا المفاعل البحثى لفترة بضع ثوان حدث فيها الاندماج النووى.

لقد كانت هناك تحديات هندسية ضخمة صاحبت فكرة تصميم هذا النوع من المفاعلات الاندماجية، وما زالت تواجه الباحثين حتى الآن بعض المشاكل. وتمثلت التحديات الأولية فى: أولاً، كيفية الحصول على مواد فائقة الموصلية الكهربائية لصناعة مغناطيس قوى جدا. ثانياً، كيفية الحصول على مواد تتحمل الحرارة الشديدة لبناء جدران غرفة التفاعل. أما التحدى القائم حاليا فهو يتمثل فى، كيفية تحقيق نظام هندسى يستطيع أن يحصر البلازما لفترة كافية في درجة حرارة وكثافة عالية بما يسمح لحدوث تفاعل طويل الأمد، بما يكفى للحصول على طاقة مستدامة وبالكمية المطلوبة.

كما يدرس الباحثون تصميمات أخرى قد تقدم أساليب أرخص. والبحث جار على قدم وساق لتصنيع مواد فائقة الموصلية الكهربائية، لإنتاج مغناطيسيات فائقة القوة، وذات حجم أصغر مما هو متوفر حالياً. هذا من شأنه أن يقلل من كمية الطاقة اللازمة لبدء التفاعل والحفاظ على تفاعل الاندماج. فكلما كان المجال المغناطيسي أقوى، كلما ازداد ضغط البلازما، مما يزيد من احتمالية توليد اندماج مستقر. ومن وراء هذا البحث سوف نحصل على مفاعلات اندماج نووى صغيرة تستطيع تشغيل السفن وحتى الشاحنات.

من المتوقع أن تكون مفاعلات الاندماج النووي لها العديد من المزايا النظرية على مفاعلات الانشطار النووى. ويشمل ذلك انخفاض النشاط الإشعاعي أثناء التشغيل، والنفايات النووية قليلة، والوقود متاح وبوفرة، وزيادة فى الأمان.

نأمل أن تكون مفاعلات الاندماج النووي متاحة تجارياً وبطاقات تتفوق على محطات الوقود الأحفوري ومفاعلات الانشطار النووي مما يقضي على أغلب المشكلات البيئية التي سببتها.

هذا، ونظرا للأهمية القصوى لمفاعلات الاندماج النووى من النواحي العلمية والتنفيذية والاقتصادية والتشغيلية والبيئية على مستوى العالم، فسوف نعود على هذا الموضوع بالتفصيل في المقال القادم.

أشكركم، وإلى أن نلتقى فى مقالة أخرى لكم منى أجمل وأرق التحيات.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق