مقالات والابداع

الأقلية المسلمة في ميانمار”الروهينجا”

بقلم د.رجاء سليم

باحثة في العلوم السياسية

إن ما يحدث للأقلية المسلمة “الروهينجا”في ميانمار-والتي تُعد أحد أكبر الأقليات المسلمة في العالم – يمثل إرهاب دولة ضدها وجريمة ضد الإنسانية.لقد هزت الأحداث الإنسانية التي حدثت لهذه الأقلية ضمير المسلمين وكل الشرفاء في العالم . فقد شهد العالم  سقوط ألف قتيل نتيجة لسياسات السلطات البورمية ،ونزوح أكثر من 290 ألف لاجيء  إلى بنجالادش منها خلال أسبوعين فقط في أغسطس وأوائل سبتمبر عام 2017 . فماذا يُقصد بالأقلية ؟وكيف نشأت الأقليات المسلمة ؟وما هي التطورات التاريخية للأقلية المسلمة “الروهينجا”؟.

الأقلية،هي جماعة فرعية تعيش بين جماعة أكبر،تربطها صفات عرقية أو دينية أو لغوية أو ثقافية تميزها عن باقي المجتمع حولها ،والذي قد يهدف إلى حرمانها من ممارسة انشطتها الاجتماعية و الاقتصادية والسياسية،مما يؤدي إلى عدم تفاعلها الاجتماعي مع مجتمع الأكثرية،مع الأخذ في الاعتبار أن أوضاع الأقليات المسلمة في الدول غيرالإسلامية تتباين تبعاً للظروف التاريخية والاجتماعية والدينية لهذه الدول.

ولا شك أنه ترتب على انتشار الإسلام في مختلف دول العالم وجود أعداد كثيرة أو قليلة من المسلمين تعيش بين أغلبية غير مسلمة. ولا يخفى أن التيارات المعادية للإسلام حاولت وما زالت تحاول صرفهم عن دينهم بشتى السبل، سواء كانت هذه التيارات سياسية أو اقتصادية أو ثقافية أو أمنية. ويوجد نوعين من الأقليات: الأول؛ مواطنون مسلمون يعيشون في أقاليم كانت ضمن دار الإسلام ثم انحسرت عنها تبعيتها لهذه الدار على مر التاريخ،مثلما الحال في بعض الدول الآسيوية. والثاني؛ جاليات مسلمة من دول إسلامية هاجرت إلى دول أخرى ليست دولاً أسلامية،مثل الجاليات المسلمة في الأمريكتين وأوروبا. وقد تتبع الأقلية نفس المذهب الفقهي،وقد تتعدد تبعيتها للمذاهب الفقهية.

وتواجه دراسة أوضاع الأقليات المسلمة العديد من الصعوبات بسبب: الامتداد الزمني من عدم التواصل مع تلك الأقليات، وعدم توفر إحصاءات دقيقة عن أعدادها، أو بيانات دقيقة عن أوضاعها، وندرة الكتب المنشورة عنها.

ماذا عن الأقلية المسلمة في ميانمار؟

يقع اتحاد ميانمار في الإقليم الشمالي الغربي لجنوب شرقي آسيا،والذي كان يعرف باسم اتحاد بورما،وعاصمته رانجون،ويدين معظم سكانه بالبوذية،وتمثل الأقليات  نحو 40% من سكانه، والتي تنقسم فيما بينها إلى نحو 135 أقلية وتختلف في اللغات والثقافات والعادات.

وبالرجوع للجذور التاريخية للأقلية المسلمة في ميانمار “الروهينجا”،فإنه طبقا لدراسة للدكتوره ماجده صالح في مجلة السياسة الدولية ،يرجع  دخول الإسلام إلى”أراكان” جنوب شرق ميانمار، للقرن السابع الميلادي مع قدوم التجار العرب المسلمين إليها،ثم تتابعت الوفود الإسلامية إليها من الدول المحيطة بها. وتنحدر أصول مسلمي ميانمار من أصول مختلفة: بنغال،وعرب،ومورو،وأتراك،وفرس،ومنغول،وباتان. ويعود تاريخ التعدي على حقوق المسلمين في ميانمار إلى عام 1784،وهو العام الذي قام فيه البوذيون البورميون بغزو “أراكان” ، حيث ضمها الملك البوذي”بوداباي”إلى بورما خوفاً من انتشار الإسلام ،فأصبحت بعد ذلك واحدة من 14 ولاية ومقاطعة لإتحاد بورما. وبدأ استهداف مسلمي “الروهينجا” في هذه الولاية عام 1991(كلمة “الروينجا” مأخوذة من “روهاينج” اسم دولة “أراكان” القديم)،حيث بدأت الحكومة في ممارسة العنف ضد المسلمين،وتحريض البورميين والمسيحيين ضدهم.مما دفع ما يزيد على 250 ألف مسلم للنزوح إلى بنجالاديش، هرباً من حملات الإبادة والاضطهاد التي كانت تقوم بها سلطات بورما(.وكانت بورما قد اتهمت بنجالادش بأنها تقدم الدعم والمساعدة للأقلية المسلمة في أراضيها،وذلك عن طريق اللاجئين البورميين المسلمين الذين يقيمون في جنوبها،وبتوفير المأوى لرجال حرب العصابات المسلمين الذين يسعون لتحقيق الحكم الذاتي في إقليم “أراكان”)..ونزح إلى تايلاند ما يزيد على 110 ألف من المسلمين،بعد المعاناة الشديدة من عدوان الجيش عام 1994 . وفي عام 1997 قام أعضاء المجلس العسكري الحاكم للبلاد بشن المزيد من

الهجمات على ولاية “مانالاي”التي تقطنها أغلبية مسلمة،وأيضاً على العديد من الولايات الأخرى. ولا يزال مسلمو “الروهينجيا” يعانون الاضطهاد في الحصول على الخدمات القانونية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية. ولا تعترف حكومة ميانمار بجنسية عدد كبير منهم على أساس أن أسلافهم لم يكونوا مقيمين في البلاد عند مجيء الاحتلال البريطاني،كما هو مطلوب طبقاً لقانون الجنسية. في عامي 2000 و2001 قامت الحكومة في شمال ولاية “أراكان” بهدم جميع المساجد التي تم بناؤها أو توسيعها دون ترخيص، بل تم إجبار المسلمين على بناء المعابد البوذية كجزء من خطة العمالة في الدولة.وشهد عام 2001 زيادة في العنف ضد المسلمين وتسبب عدم وجود توحد بين تلك الأقليات حول المطالب في خلق اختلافات فيما بينها، وتطورت تلك الاختلافات إلى خلافات. واستفادت الحكومة العسكرية من ذلك في تطبيق مبدأ فرق تسد،حيث فرقت بين الأقليات،وبدأت في التعامل مع كل واحدة على حدة حتى مزقت ترابطهم،دون أن يلقى أحدهم بالاً للأخر.وعلى الرغم من محاولات توحيدهم كان أخرها عام 2011 ،فإن كل تلك المحاولات باءت بالفشل . وطبقاً لتقديرات 2011 بلغ عدد سكان بورما حوالي 54 مليون نسمة منهم حوالي 20%مسلمين. ويُقدر عدد سكان “أراكان”بحوالي 5,5 تبلغ نسبة المسلمين منهم حوالي 90%،يعيش منهم مليونان داخل “أراكان”، أما الآخرون فهاجروا إلى خارج البلاد بسبب الاضطهاد الذي تمارسه الدولة ضدهم .

وقد شهدت ميانمار موجة جديدة من الاعتداءات ضد”الروهينجا”اعتباراً من20 مارس 2013 أودت بأرواح بريئة وتدمير منازل ومدارس ودور عبادة،ونزوح أكثر من تسعة ألاف مواطن،وبذلك يتعرضون لظروف إنسانية صعبة داخل مخيمات الإيواء .وعدم قيام حكومة ميانمار باتخاذ الإجراءات اللازمة لوقف ذلك برغم التصريحات الرسمية الصادرة عنها .

وتحتل قضية مسلمي “الروهينجا”مرتبة متقدمة في أولويات السياسة الخارجية المصرية، لما تنطوي عليه من اعتداءات وعنف طائفي ممنهج وانتهاكات لحقوق قومية مسلمة في دولة أخرى.ولم يدخر الأزهر الشريف وسعاً في إيجاد السبل لحل الأزمة.وتضامنا مع الأقليات المسلمة في العالم، دعا مجلس حكماء المسلين برئاسة د.أحمد الطيب الإمام الأكبرشيخ الأزهرإلى عقد مؤتمرتحاوري بالقاهرة في يناير 2017  بعنوان “نحو حوار انساني حضاري بين مواطني ميانمار”، بحضور عدد من قيادات وشباب بورما:البوذي والمسلم والهندوسي والمسيحي ،بموافقة من حكومة بورما وحضور سفيرها بالقاهرة .

أمام هذا المشهد المأسوي الأخير الذي لم يشهد له العالم مثيل في عمليات التطهير العرقي،والذي أسفر عن الاف القتلى واللاجئين ،فقد أطلق الأزهر الشريف صرخة مدوية للمطالبة بالتحرك الدولي من قبل المنظمات الدولية ودول العالم لوقف المجازر التي يتعرض لها “الروهينجا”.وقد ذكر الامام الأكبر أنه ما كان للصمت الدولي أن يحدث لو كانت هذه الأحداث حدثت لأقلية غير مسلمة، وطالب بوقف ما يتعرض له “الروهينجا” من إبادة جماعية.

ان ما يحدث للأقليات المسلمة في العالم يدفعنا بأن نقربالتحديات،والمشكلات التي تواجهها تلك الأقليات،والتي أهمها تعرضهم للعقائد الهدامة التي تستغل فقرهم ،وانقطاعهم عن مجتمعاتهم الإسلامية وإفساد عقيدتهم.وتعرضهم لحملات الإغاثة الغربية التي تحاول إبعادهم عن ديانتهم، بسبب  عدم توفر المدارس التي يُدرس فيها الدين الإسلامي،وقلة المدرسين القادرين على تعليم المناهج الإسلامية ،ومشكلة الإبادة الجماعية.لذلك فإن الأقليات المسلمة  في حاجة إلى متطلبات دينية وتعليمية واقتصادية،مثل الدعم المادي وتطوير مناهج التعليم الإسلامي مع مراعاة اللغات المحلية،والعناية بالشباب لحمايتهم من الارتداد عن الإسلام،وضرورة إبراز الروابط التاريخية بين تلك الأقليات وبين دول العالم الإسلامي في مختلف وسائل الإعلام.

إن الهجمة الشرسة التي يتعرض لها الإسلام من أعدائه في السنوات الأخيرة تدق لنا ناقوس الخطر، فلا شك أن الأخطر من الاضطهاد هو ترك هؤلاء المسلمين يجهلون أمور دينهم.فالحكومات من الممكن أن تغير سياساتها من وقت لأخر،أما جهلهم بدينهم فسوف يؤدي إلى فقدهم هويتهم الإسلامية على مر الزمان. لذا يتعين على الدول والمنظمات الإسلامية العالمية أن تدرك أنه إذا لم تجد الأقليات المسلمة الرعاية الدينية من الدول الأم والمنظمات الإسلامية العالمية؛ فقد تذوب الأجيال الجديدة منها بمرور الوقت في المجتمعات التي تعيش فيها، وتنقطع عن التراث الروحي للإسلام والثقافة الإسلامية، وتصبح لا تعرف من الإسلام سوى أسمه.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق