مقالات والابداع

أبكر سليمان..يكتب من السعودية..كيف تعالج نفسك بالمعنى؟

 

“يوجد شيء واحد يروعني وهو: ألا أكون جديرا بآلامي” دستيوفيسكي.

الساعة ٨ و ٤٢ دقيقة
كان كل شيء نائمٌ هناك ؛ الا أفكاري .
صباحاً استيقظت على موعدي المعتاد اقتلع نفسي اقتلاعاً من السرير!
ذاكرتي مثقلة بهموم الأمس ، أحلامٌ تحطمت و آمالاٌ أنطفأت .
كنت قد قدمت استقالتي من وظيفتي التي أحببتها كثيراً ، لم يكن الأمر سهلاً علي البتة خاصةً انني في أول فجر الشباب إذ الأحلام كثيرة و الفرص قليلة .
أخذت اتصفح هاتفي المحمول هرباً من هذه الورطة لعلي أظفر بما يخفف عني وطأة هذا الخطب الجلل ، لقد كان كل شيء موحشاً بشكل يبعث على الإستغراب !
((الله وحده يعلم . وحده يعلم كيف سينتهي هذا الامر ))!
شرعت أردد هذه الجملة و أنا أقطع الغرفة طولاً وعرضا.
عدت الى غرفتي مرةً أخرى ، ارسلت يدي مستنجداً-بهاتفي-فهواتفنا هي الأخرى قد تكون ملاذاً لنا في زحمة الحياة .
لمحت في هاتفي مقطع بعنوان (هل يختار الانسان من يكون!؟)
عدت لأسألني : هل يختار الانسان من يكون ..؟
لم أهتد الى شيء..

“ان هذه الحياة كلما كانت شاقه واستطاع الإنسان أن يُوجد لنفسه معنى بداخلها كان ذلك أمارة على غِناء حياته الداخلية، “فإذا كان هناك معنى في الحياة بصفة عامة، فإنه بالتالي ينبغي أن يكون هناك معنى للآلام والمعاناة، فالآلام والمعاناة جزء من الحياة، بل ويتعذر التخلص النهائي منها، شأنهما شأن حياة الإنسان ذاته!”
“أما من يفقد حياته الداخلية فإنه يفقد الثقة في المستقبل، بل قد حكم على نفسه بالفناء، ومع فقدان الثقة في المستقبل يفقد المرء تماسكه المعنوي، ويكون بذلك قد ترك نفسه للتدهور، وأصبح عرضة للانهيار العقلي والجسمي”.
لحظة.
تلك ليست عبارات تحفيزية يتغنى بها شخص قابع خلف مكتبه المرفّه ، يمرر اصابعه على لوحة المفاتيح و هواء التكيف يعانق جسده الفائح بعطرٍ من أغلى الماركات!!
انها تجربة لإنسان عاد من الموت ! فبين عشية وضحاها وجد فرانكل نفسه رقما في معسكرات يسير الناس فيها بأجساد تغطيها خِرق بالية “فلم أكن سوى الرقم 119 و104، ولم نكن نحمل أي وثائق ، فيكفي كل فرد أن يملك جسده ورقمه” هكذا وصف فكتور فرنكل حاله داخل المعسكرات النازية. اذ “من الصعب تماما على أي شخص خارجي أن يدرك كيف أن الحياة الإنسانية في المعسكر لم يكن لها قيمة تذكر”. في ذلك المكان سترى الموت أمنية عزيزة المنال .

يسألني بعض الأصدقاء كثيراً ؛ ماذا استفدت من الوعي وانت الذي لا تنفك تتغنى به في كل محفل؟(لا أدعي انني ربحت الكثير ، لكنني أزعم انني تحررت من الكثير. تحررت من تلك الأشياء التي لا تمت لي بِصلة ، فأنا على الاقل لم أعد أخوض في ساحة حربٍ ليست لي .
أدركت ان لكل واحد منا نصيبٌ من الهم، وان ( ما يحدد مستوى وعينا ليس ما يحدث ، بل طريقة نظرتنا لما حدث) فكرةٌ أنقذتني من لهيب الأفكار التي كانت تنهش ذاكرتي ، لقد دفعتني مرة أخرى الى الحياة فأدركت وان كنت قد خسرت وظيفتي فهنذا ماثلٌ امام ذاتي بكامل قواي لقد أرتويت بهذه الفكرة ، وظمأ الضياع لا يرويه الا ماء الوعي.
نعم ان “هذا العالم بالنسبة للشخص الخائف ليس الا مكاناً للرعب ، وبالنسبة للشخص الذي يصاحبه الشعور بالذنب ليس الا مكاناً للعار “اما بالنسبة للشخص الواعي اليقظ فهي تجربة تستحق ان تعاش .
وهذا ما توصل اليه فرنكل بالتجربة المريرة التي كابدها. تلك الآلام التي كادت أن تعصف بكيانه ، فما الذي يمكن ان يفعله الانسان حينما يتحقق فجأة من أنه “لا يملك شيئًا يفقده عدا حياته المتعرية بطريقة تبعث على السخرية” بعد ان فقد أغلى ما يملك (والداه ، زوجته و أصدقاءه) لكنه استطاع في نهاية معاناته أن يصوغ معنى جديداً للحياة ، لقد خلّد فرانكل تجربته في سجون النازية ، إذ من رَحم هذه المعاناة أصبح فرانكل صاحب إسهام في علم النفس الوجودي حتى أسس مدرسة “العلاج بالمعنى” Logotherapy- والتي استوحى مبادئها من تجربته الذاتية. في كتابه “الإنسان يبحث عن معنى” .
نعم انا أدرك ان الحياة قد لا تستمر كما كانت عليه بعد ان خسارة شيء ذا أهمية لنا ، لكنني أدرك في ذات الوقت ان التخلي عن الأشياء أحياناً هو فعل ينطوي على قوة أعظم بكثير من الدفاع عنها أو التمسك بها .
هذا المعنى الذي اهتديت اليه سراً سأتخذ منه ذخيرةً أواجه بها أيامي العجاف ، معناً أشعل النار في خيالي و ألصق أذني بموسيقى سماوية و ألوان فردوسيه تحرك ما ركد في أعماق الروح.
ان إيجاد المعنى لا يعني بالضرورة (ان تموت في سبيل ما تحب ، بل في ان تحيا في سبيل ما تحب )! ففي معاناة السجن يقول فرنكل “لقد راودت كل واحد من المساجين في لحظة ما، فكرة التخلص من حياته ، وهو ما دفع فرانكل لأن يُوجه لمرضاه سؤال “لماذا لا تنتحر؟!” ليهتدي من إجاباتهم إلى خيط الحياة النابض . وعلى هذا السؤال تباينت الإجابات، فمنهم من لم ينتحر بدافع الحب الذي يربط بينه وبين أبنائه ، وآخرون شعروا أن لديهم موهبة عليهم أن يستخدموها هي الدافع للحفاظ على الحياة ، بينما عبر غيرهم عن امتنانهم إلى الذكريات ، والتي كانت عامل الأمان بالنسبة إليهم. إجابات قادت فرانكل ليعتبر أن العامل المشترك بين هؤلاء جميعا هو-المعنى- في الحياة، أيمّا كان هذا المعنى ، وعليه فإن أولئك الأشخاص الذين كانت حياتهم الداخلية ممتلئة وحيوية استطاعوا أن يحافظوا على المعنى بداخلهم.
“فويل لمن لم يكتشف معناً لحياته ، ويل له من نفسه ومن العالم “.
لذا “يجب علينا كي نكون أحراراً ، وأن نتحمّل المسؤولية الكاملة عن أنفسنا . ولكن يجب – بالتوازي مع ذلك – أن نملك القدرة على رفض تحمل ما لا يَمُت إلينا بصلة”
فلا تنشغل يا صاح بما تتمنى بلوغه في هذه الحياة ، بل بما تستطيع تقديمه للحياة وحينها فقط ستشعر بمعنى حياتك فالإنسان وكما تنص -نظرية العلاج بالمعنى – ” إنَّ وجد سببا يحيا به ، فإن في مقدوره -غالبا- أنْ يتحمل في سبيله كل الصعاب بأي وسيلة من الوسائل”.
فإذا كانت الحياة ساحة حربٍ كبيرة! فحينها يجدر بِنَا أن نختار معاركنا.
فأختر معاركك !

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق