فن وثقافة

ساحة البراءة

 بقلم – صابر الجنزوري
نادى المنادى : ياأهل المحروسه : إجتمع أولوا الأمر وأصدروا البيان الآتى : إن مايحدث فى بلادنا ما هو إلا غضب من الله ، وعلينا جميعا أن نعود اليه ونتوب وليست التوبة كلمات ، ولكنها أفعال ، عسي الله أن يرضى عن البلاد والعباد ، ولن يكون ذلك إلا إذا حاكم الشعب نفسه فيخرج البرئ ويحاكم المدان .
حاكموا أنفسكم ليغفر الله لكم ويرفع عنا البلاء .
فعلى كل من بلغ سن الرشد من الرجال والنساء أن يتقدم لمحاكمة نفسه .
ظن الناس أن المنادي مخبول أو من المجاذيب الذين يطوفون بالطرقات،
ويصيحون بكلمات الوعيد والانذار .
تعجبوا وسخروا وهرعوا إلى كل وسائل التواصل فوجدوا نفس النداء .
إنتقلوا إلى مرحلة التصديق بعد السخريه والإستهزاء .
ظلوا قليلا فى دهشة يضحكون ويتعجبون ويتدالون بينهم النكات والقفشات .
لابد من المحاكمات بعد أن عمَ البلاد الذعر والخوف ، وسيطر الفساد وساد الكساد وتفشى الغلاء وتوقف حال الناس وصار الهرج والمرج فى كل مكان .
وضع العلماء برنامج المحاكمات، ولن يوجد قضاة لأنهم أيضا سيحاكمون ،
اليوم ..( الضمير هو القاضى ) .
توالت الأخبار تباعا ، وبدأت كل وسائل التواصل بشرح البرنامج وكيفية المحاكمات. و تهيأ الناس للأمر وانتقلوا لمرحلة الإستعداد .
الكلُ يريد أن يتطهر ويحاكم نفسه !
على كل واحد أن يختار لنفسهِ مايناسبه من نظام للمحاكمه وسوف يمر الجميع على جهاز كاشف للكذب ، و يأخذ رقماً ودوراً للمحاكمه ، فمن يجيد إستخدام الحاسوب سوف يدخل على الموقع الذى به البرنامج ويسجل إسمه وبياناته و يبدأ الإجابةً على الأسئلة . وبعد أن ينتهى سوفَ يعرف الحكُم وفقاً لإجاباته ، وبعدها يأخذ النتيجه ويتوجه إلى ساحة البراءة .. أو.. ساحة الإدانة.
ومن لايعرف إستخدام الحاسوب ويجيد القراءةً والكتابةً عليه أن يأخذ اأوراق الأسئلة وورقة للإجابة ، كلٌ حسب رقمه ودوره ، وبعد أن ينتهى يتوجه إلى مركز جهاز الحاسوب الذى بمكان إقامته ، يسلم اوراقه ، ثم يعرف نتيجته ، ويتوجه بعدها إلى ساحة البراءه ..أو.. ساحه الإدانة .
وهكذا أُعدً لكل فئة برنامجها الذى يتناسب معها بما فيهم الأميون والذين لايبصرون أولايسمعون .
تم الإنتهاء من تنظيم المحاكمات وموعدها وإجراءات سيرها وأماكنها وأخذْ كل الاحتياطات لردود الأفعال .
فى اليوم السابق لبداية المحاكمات.. دقت أجراس الكنائس وارتفع صوت الأذان من المأذِن وامتلأت ساحات العباده ومكث الناس طوال اليوم والليل بدور العبادة والساحات التى خُصصتْ للصلوات والمحاكمات .
كانت أسئلة البرنامج : ألم… تكذب ، تسرق ، تقتل ، ترتشى ،
تكره ، تحسد ، تحقد ، تَسُبْ ، أو تشهد زوراً ؟
أ لم ترتكب فاحشه ً أو إثماً أو بهتاناً أو تأكل مالأً ليتيم ، ؟
ألم تتاجر بدينك وتنشر الفتنه بين الناس ؟
ألم تًعُقْ أباكً و أمًكَ ؟
ألم تَخُنْ وطنك ؟
وانتهت المحاكمات .
لم يتوجه أحد إلى ساحة البراءة ..الجميع توجه إلى ساحة الإدانة .
سألوا أنفسهم : أنقتل أنفسنا أم ننتظر حكم السماء ؟
فى المدينه الخاليه على مقربة من الساحتين ..كانت هناك طفلةُ صغيره فى رداء أبيض تتجه إليهما بثبات وجأش ، لاحظها بعض الأفراد الموكل ْ إليهم بالحفاظ على الأمن والنظام والذين تم إستدعاءهم من بلاد أخرى ..
سألوها : إلى أين ؟
قالت : إلى حيث المصير !
انتشر خبرها ، وتابعت وسائل الإعلام على الهواء سير الفتاة ملائكية الوجه التى تكشف تحت طرحتها البيضاء خصيلات شَعْر ذهبي فى لون سنابل القمح فى موسم حصاد .
تمضى فى طريقها لاتأبه لأحد ولايشغلها غير التمتمات والأدعيه التى تتمتم بها .
لا أحد يسمعها ولاأحد يعرف ماذا تقول .
وصل موكبها ، توجهت إلى ساحة الإدانه ، وقفت أمام سورها ، ابتسمت ،
بكت وتبسمت من جديد ، أيقن المذنبون أنها مُرسَلةٌ من الله إليهم، وأن في يدها الخلاص .. إنهم ينتظرون المعجزة .
حَلَ الصمت ضيفا ثقيلاً واختلط بجلال المشهد والهيبة والترقب .
أبواب ساحة البراءة السبعة مفتوحه ، دخلت إليها من البوابة الكبيرة التى تتوسط الأسوار ، جلست على الأرض فى وقار وهيبة وخشوع ، هز صوتها السكون ،
من القرآن والإنجيل والمزامير تتلوا وتترنم بأيات التوبة والغفران .
علا صوتها بقوة ( يارب ) ، ارتفع معه صوت البكاء وتساقط الدموع .
تمضى الظهيرة بسلام و يُقبل الأصيل دون استئذان و الشمس تأبى الغروب .
سحابة بيضاء غطت السماء كخيمة نصبت فوقهم ،
نسمة هواء حملت معها رائحة مسك عطرت المكان ،
يتوحد الجميع فى صوت كورالى قوى (يا الله ) .
يتنزل الغيث و ينهمر المطر ،
تخرج إبتهال متوجهة إليهم ،
يأتيهم صوتها الملائكى : تلك هى البشري ..تلك هى الإشارة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق