شعبة المبدعين العرب

القصّة الشاعرة وسيكولوجية الإبداع

الأدب يعكس مدي النهضة العلمية أو عدمها في المجتمع

القصة الشاعرة وسيكولوجية الإبداع

                                                                د/ محمد حسن غانم(*)

أكد أرنست فيشر في كتابه ضرورة الفن إلى حقيقة أن الوجود الإنساني لا يستقيم بغير جناحين هما: العلم والأدب والفن وأن الحياة الإنسانية لا تستقيم بدون هذين الجناحين،

كما أنه من الحقائق التي أكدها علم النفس وتحديدًا سيجموند فرويد – مؤسس مدرسة التحليل النفسي – أن الأدب يعرف كثيرًا عن حقيقة النفس الإنسانية ربما أكثر من عالم النفس. ولذا يشير فرويد – وفي أكثر من موضع – إلى أن الأدباء هم أساتذتنا نحن أطباء النفس لأنهم يعرفون أكثر ما بين السماء والأرض ويعرفون – أي الأدباء – الكثير ومن الأشياء التي تعجز معارفنا الدراسية عن الإلمام بها،

ولذا لا عجب أن وجد فرويد خطا مشتركاً بين الأديب وبين الشخص الذي أصيب بالاضطراب العقلي (أو كما يطلق عليه في اللفظ الدارج الجنون) فكلاهما ينفصل عن الواقع ويحلق في آفاق الخيال والأحلام والرؤى بيد أن الفارق الأساسي بين الأديب والمريض العقلي هو أن الأديب ينجح مرة أخرى في العودة إلى الواقع واكتشافه بصورة أفضل ومحاولة تغييره في حين أن المجنون أو المريض العقلي يفشل في ذلك وقد يظل أسيرًا للهذاءات والهلاوس والتعايش في مستويات خيالية لا تمت إلى الواقع بصلة.

ولذا يجب أن نؤمن ونسلم ومنذ البداية أن ينتفي وجود صراع بين العلم والأدب أو الأدب والدين ولماذا لا تنظر إليهما مثل قدمين (علم + أدب) أو العكس في الترتيب كما يقول فرويد “إن الفن كما نعلمه منذ أمد طويل يمنحنا ألوانًا من الرضا تعوضنا عن أقدم ألوان العدول الثقافية وأن الحضارة بكل منجزات العلم ما كانت لتقوم أو تكون لولا الجناح الثاني ونقصد به الأدب والفن.. ذلك الشيء الذي قاد إلى المصالحة ما بين الإنسان (وحقيقته الداخلية) والتضحيات التي ضحي بها من أجل إقامة هذه الحضارة بكل منجزاتها”.

ولذا لا تعارض بين علم النفس والأدب، فعلم النفس علم بالكليات كسائر العلوم، والأدب معرفة بالمفردات كسائر الفنون، فالأول معرفة كلية تفيد الحياة، وبالتالي معرفة عميقة بالمفردات تلبي الشوق إلى المعرفة الصادقة النافذة ويطلق على هذا الموقف الثاني الموقف الغني الذي يدرك في الشيء فرديته التي تميزه عن غيره. ويطلق سامى الدروبي (1981) – في كتابه علم النفس والأدب – على هذا النوع من الإدراك اسم الكشف والمقصود بالكشف هنا هو ما تعنيه اللفظة الفرنسية devoilement أي إزاحة الستار أو النقاب، أي أن الأديب أو الفنان هو الذي يزيح هذا النقاب عن الشيء، فيتيح للآخرين أن يروه في حقيقته بعد أن كان محجوباً عنهم في الطبيعة أو داخل النفس الإنسانية.

ولذلك يتوقع من البحث النفسي أن يفسر لنا الإبداع الأدبي أو الفني حتى تكشف طبيعة سراديب النفس الإنسانية وما يجول فيها من أفكار ورغبات وطموحات وأمنيات والأمر في ذلك لا يختلف عن محاولتنا تفسير الأحلام والهفوات ولعب الأطفال وكلها ظواهر تعرب عما يجيش في أعماق النفس البشرية. ويحاول علم النفس –جاهدًا- فض مجهلتها.

– الأدب:          Literature

تتعدد التعريفات التي قدمت لمفهوم الأدب إلا أن جميع المؤلفات التي تعرضت لتعريف هذا المفهوم اتفقت في الآتي:

1 –   أن مصطلح الأدب في أصل نشأته وفي أوسع معانيه مصطلح عام يطلق على كل ما صاغه الإنسان في قالب لغوي.

2 –   أن هذا القالب اللغوي تتعدد مواضيعه وتتنوع أساليبه.

3 –   أن مصطلح الأدب في معناه الخاص ودلالته المحددة ينصرف الآن إلى النتاج المكتوب شعرًا أو نثرًا.

4 –   أن هذا الإنتاج ينتمي إلى أمة ما أو لغة معينة.

5 –   أن هذا الإنتاج – مهما تعدد وتنوع – هو تعبير عن جملة من الخواطر النبيلة للإنسان.

6 –   أن هذا الإنتاج لكي يعد أدبًا يجب أن يتصف بصفتين هما:

الأولى: أن يكون تعبيرًا جميلاً يمتلك قيمة فنية تعرف بالأسلوب الأدبي، حيث يلعب الخيال فيه دوراً ضرورياً ينأى به عن تلك الأعمال التي تسجل الحقائق المجردة والأفكار البحتة كالعلوم والرياضيات والفلسفة…إلخ.

الثانية: أن يأخذ هذا النتاج أشكالاً أو قوالب محددة تعرف في النقد الأدبي باسم الأجناس الأدبية Literary – Generes حيث تشمل تلك الأجناس الآتي:

– القصيدة الشعرية                   Poem

– المسرحية                          Drama

– الرواية                             Novel

– الرواية القصيرة                    Novelette

– القصة القصيرة           Short Story

– المقالة الأدبية            Essay

– القصة الشاعرة             Alkesa Alsha’era

7 – يمكن أن يضاف إلى الأجناس الأدبية السابقة العديد من الأنواع التي عرفها الأدب العربي مثل المقامة إلى غير ذلك من الأنواع الأدبية مثل أدب (البروتيرهات – الأيام – طرائف السلوك …إلخ).

8 –   إن علم الأدب يهدف إلى جملة من الأهداف منها:

– العناية بفهم ما كتبه شعب من الشعوب على أنه حلقة من حضارة ذلك الشعب.

– تفهم الخصوصية التي تميز كاتب معين من الكتاب.

– تفهم المؤثرات الحياتية المحيطة بهذا المنتج الأدبي وكذا للأديب – أو الفنان – الذي تأثر بهذا السباق المحيط الذي يعيش فيه.

– الكشف عن كافة العوامل التي تؤثر في الأديب أو الفنان ومدى انعكاس ذلك في المنتج الأدبي أو الفني.

9 –   أنه إذا تم النظر إلى كلمة (أدب) نجد أنها قد تطورت – كمثال – في الثقافة العربية وأن معناها قد تغير من مدلول إلى مدلول آخر عبر العصور التاريخية، ولذا نجد نقاد الأدب مثلاً يقسمون الأدب إلى عصور مثل:-

– الأدب في العصر الجاهلي.

– الأدب في العصر النبوي.

– الأدب في عصر الخلفاء الراشدين.

– الأدب في عصر الأموي …..إلخ.

10 –   أن الأدب يعكس مدي النهضة العلمية أو عدمها في المجتمع ومن خلال جملة من المؤثرات مثل:

– عدد المؤلفات التي تم إنتاجها (الكم).

– مقدار جودة هذه المؤلفات (من حيث الكيف).

– مدى الاهتمام بالترجمة للآداب الأخرى.

– مقدار تصنيف المعارف المختلفة.

ولذا فإن الأدب قد اتسع مدلوله في بعض الأحيان ليشمل كل المعارف والعلوم وفنون الحياة التي من شأنها أن ترقي بثقافة الإنسان.

ويعرف قاموس أكسفورد المختصر اصطلاح الأدب بأنه: كتابات تتحدد قيمتها في جمال الشكل Beauty of Form أو في التأثير العاطفي.

وأن الأدب هو حقيقة، بيد أنه حقيقة في أشكال وتنوعات مختلفة.

ولفظ الأدب مشتق من اللفظة اللاتينية Littera.. وهو بناء أو كيان خاص لعملية الكتابة ينتمي إلى لغة بعينها، أو إلى أناس بعينهم.. والأدب كفن هو عملية تنظيم للكلمات لجلب المتعة، ومن خلال هذه الكلمات تسمو وتتحول الخبرة من خلال – أيضاً – هذه الكلمات يمكن توظيفها في المجتمع كنقد رمزي للقيم.

انظر في هذا الصدد (عاطف أحمد فؤاد، 1996، ص94-95، شوقى ضيف، 1983، عبد الحميد إبراهيم شيحه 1988، جان بول سارتر 1997، أحمد حسن الزيات، 2002).

القصة الشاعرة:

لسنا في مجال تقصي تاريخ القصة القصيرة وكيف أنها بدأت في الغرب ثم ظهرت بعد ذلك في الشرق (راجع على سبيل المثال كتاب: رشاد رشدى: فن القصة القصيرة 1982، وكتاب، فاتن حسن عن: القصة القصيرة: قضايا النشأة والتطور والانتشار في الثقافات الإنسانية 2010).

لكن الجديد هو ظهور ما يسمي بالقصة الشاعرة تلك التي أبدعها الأديب والناقد المصري “محمد الشحات محمد” والتي أرسي قواعدها في كتابه: الموج الساخن – قصص شاعرة جنس أدبي جديد (القاهرة – دار النسر 2007)، حيث فرق بين القصة الشاعرة والقصة الشعرية/ الشاعرية، حيث قام محمد الشحات محمد رائد فن القصة الشاعرة بتدشين هذا النوع من الأدب، وهو جنس إبداعي جديد يجمع ما بين تقنيات الشعر والقصة معا وتحديداً في عام 2007 وقد شاركه نخبة من المبدعين ولوج وتأسيس وتعميق هذا الفن أو الجنس الأدبي الجديد حيث يقول السيد رشاد – 2014 – في دراسته عن: القصة الشاعرة رهان المستقبل “أن القصة الشاعرة لم تكن قفزا من فوق قمة جبل الأجناس الأدبية، أو تحليقاً عشوائياً في المجهول بل كانت خطوة جديدة من الصعود من سطح هذا الإبداع لتتقاطع مع ما يحدث في العالم كله من تمرد على القوالب الإبداعية القديمة وتطور لأجناسها المعلبة سابقة التجهيز لكن المهم الذي قدمه محمد الشحات محمد ورفاقه هنا هو أن هذا الفن (القصة الشاعرة) هو إسهام مصري – عربي خالص بعيدا عن استنساخ أفكار ونظريات وتجارب الغرب الإبداعية والتي ظللنا نقتات عليها طوال العقود الماضية لنقول للغرب والإنسانية كلها لدينا ما يمكن أن نضيفه هنا على صعيد القيمة الإبداعية المضافة،

أما على صعيد الأجناس الأدبية العربية فقد قدم لنا الشحات ورفاقه من الأدباء المؤسسين لهذا الجنس الأدبي الجديد نصا إبداعياً يعتمد على التكنيك القصصي لكن بإيقاع يلتزم التزاماً صارما بالإيقاع التفعيلي الدائري الذي لا بداية له ولا نهاية، ومن ثم فالقصة الشاعرة بهذا المفهوم تختلف عن الشعر بجميع مدارسه بما في ذلك الشعر القصصي، كما تختلف عن القصة القصيرة أو الأقصوصة والقصة الومضة التي لا تلتزم بأي إيقاع، كذلك تختلف عن المسرح الشعري بسماته الأدبية المعروفة”.

إذن القصة الشاعرة جنس أدبي جديد له قواعد وأسس وإبداع مصري – عربي خالص يستحق الاهتمام والإشادة.

إلا أن هذا النوع (القصة الشاعرة) يطرح العديد من التساؤلات لأن الفن أو الجنس الأدبي الجديد يقتضي عناصر أخرى جديدة مواكبة له سوف نطرح بعضها لاحقًا بعد أن نشير إلى قضية: لماذا تأخر الاهتمام من جانب علماء النفس بالإبداع عامة والأدب بصفة خاصة.

لماذا تأخر الاهتمام بصفة عامة والأدب بصفة خاصة؟

حدث هذا التأخر للعديد من الأسباب يمكن إجمالها في:-

  1. ذلك الاعتقاد الذي ساد المراحل المبكرة من نمو علم النفس بأن الموضوعات الجمالية والفنية والأدبية غير قابلة للتناول التجريبي المحكم فهي تراوغ من التحديد وتهرب من التكميم ومادام الأمر كذلك فلا يمكن تناولها علميًّا.
  2. إن هذا النظام العلمي الجديد – أي علم النفس – كان يجاهد من أجل وضع أسسه المنهجية القوية كعلم موضوعي ولذا فقد استعار المنهج المستخدم في العلوم الطبيعية الصارم حتى يصل إلى نفس النتائج التي توصلت إليها نفس هذه العلوم.
  3. النظر إلى الجمالية والآداب والفنون بأنها تتميز يجملة من السمات لا تدخلها في مجال العلم ومنهجه الصارم مثل:-
  • النعومة في الوجدان والمشاعر وفيضان الانفعالات.
  • التعبيرات الفضفاضة.
  • الذاتية المفرطة.

ولقد أدت هذه النظرة إلى وجود (ما يسمي بالتصنيف الحاد والصارم ما بين العلوم الطبيعية التي تخضع للمنهج العلمي الصارم وبين العلوم الإنسانية والتي تكون بطبيعتها عصية على المنهج العلمي الصارم نظراً لأنها فضفاضة وزئبقية ومراوغة.

  1. طبيعة المادة الأدبية وخصوصيتها وهي طبيعة وخصوصية مثلت صعوبة في التناول الموضوعي للأدب من الوجهة النفسية، بينما عولجت مجالات أخرى كالرسم والتصوير والنحت والموسيقي بشكل أكثر بساطة وتكرارًا.
  2. حالة اللا مبالاة من قبل علماء النفس تجاه الجماليات عمومًا والأدب خصوصاً نتجت عن ذلك الاتجاه السلبي الذي تراكم عبر تاريخ هذا العلم والذي يربط بين الأدب والتحليل النفسي وقد كان التحليل النفسي ومازال ضعيفًا من الناحية المنهجية (كما يرى ويعتقد أعداء التحليل النفسي)، ومن ثم تصور بعض الباحثين أن هذا الضعف لا يرتبط بالتحليل النفسي فقط بل وبالموضوعات التي يدرسها أيضا ومن بينها الأدب والجماليات.
  3. رفض نقاد الأدب والأدباء أنفسهم المعاونة في البحوث النفسية العلمية للأدب وتجلي هذا الرفض مثلا في قول أثنين من أشهر النقاد المعاصرين هما “ويليك” و(دواين) في قولهما: إن الفن العظيم يتجاوز معايير علم النفس، وأن الاستبصارات النفسية بالأدب يمكن الوصول إليها بطرائق أخرى غير المعرفة النظرية بعلم النفس، وأن أهمية علم النفس هي أهمية تمهيدية أو أولية فقط بالنسبة للإبداع، وأنه خلال العمل نفسه تكون الحقيقة النفسية ذات قيمة فنية فقط ، إلى آخر هذه الأقوال المحبطة التي نجد لها مثلاً أيضا لدى الروائي الأمريكي الشهير (وليم فوكنر) والذي تجلي لديه ذلك الخلط الواضح الشائع بين التحليل النفسي (الذي قدمه فرويد وأتباعه) وبين علم النفس (كعلم منهجي موضوعي منظم) فقال: في أي شيء تهم العقد النفسية الموجودة لدى؟ إن عملي فقط هو الذي ينبغي أن يوضع في الاعتبار.. أنني كشخص غير هام.

(شاكر عبد الحميد، 1995، ص211-212)

لكن يمكن الرد على هذه الاعتراضات السابقة في ذكر حقيقة خلاصتها: أن المنهج العلمي إذا كان لابد من الصرامة والموضوعية في دراسته للموضوعات التي يتناولها فإن الأمر لا يخرج من ضرورة اصطناع منهج علمي مناسب لدراسة مثل هذه الموضوعات التي لم يعتاد المنهج العلمي دراستها، ذلك لأن هذه الموضوعات الجديدة أو الغريبة أو غير المألوفة تحتاج بدورها إلى تناول ومنهج مخالف للمنهج السائد الذي نجح في دراسة الموضوعات العلمية/ الطبيعية،

ولذا كان أصرار فرويد وجهاده من أجل الوصول إلى هذا المنهج وهذا الأسلوب الذي يحاول النفاذ إلى دراسة ما هو غير مألوف.

وأن مسألة المنهج العلمي الصارم كما يستخدم في العلوم الطبيعية لا يصلح إطلاقًا للدراسة في مجال العلوم الإنسانية (وفقاً لطبيعة الظاهرة) بالرغم من أن تاريخ علم النفس يخبرها بحقيقة أن فوندنت حين أراد أن يستقل علم النفس عن الفلسفة فأنه لجأ إلى المناهج المستخدمة في العلوم الطبيعية من أجل تحقيق جملة من الأهداف أهمها:-

  1. أن يكون علم النفس مثله مثل العلوم الطبيعية علمًا له أصول وقواعد ومنهج.
  2. أن استخدام المنهج العلمي هو مستخدم في العلوم الطبيعية يؤدى إلى سرعة تقدم علم النفس بعد قرون طويلة من عدم الاستقلال وانشغاله بالعديد من القضايا التي لا يمكن إخضاعها للدرس والفحص والمنهج العلمي (مثل دراسة الروح) لدرجة أن أحد العلماء قد سخر وقال: إن الروح قد زهقت في مجال علم النفس.

وهنا كان التحدي لفرويد: أن الأساطير والآداب والفنون قد توصلت إلى العديد من الحقائق التي تعبر عن (مأساة) و(وواقع) الوجود الإنساني وأن هؤلاء الأدباء والشعراء قد (نهلوا) من اللا شعور ولذا يجب (اختراع) منهج ملائم ومناسب كي نصل بالعلم إلى ما سبقنا به الأدباء والشعراء وكافة من يعمل في مجال الأدب والفن.

أهمية الأدب والفن في حياة الفرد والمجتمع:

غني عن البيان أن الآثار الإيجابية التي تحدثها الآداب (خاصة قراءة قصة أو رواية أو حتى حدوتة أو أسطورة أو قطعة من الشعر، أوقصة شاعرة) وكذا الفنون (سماع موسيقي- مشاهدة لوحات وتماثيل نحت) أو مشاهدة مسرحية أو فيلم أو حتى مسلسل.. كل ذلك وغيره يترك أعظم الآثار الإيجابية في النفس وبعبارة جامعة شاملة فلقد توصل (أرسطو) إلى ما تحدثه الآداب والفنون من تطهير Catharsis من خلال إشارته إلى الأثر الانفعالي الذي تحدثه المأساة في نفس المتفرج (أو المتلقي بصفة عامة). فالمأساة من وجهة نظرة تتضمن أحداثًا تثير الخوف والشفقة لكي يتحقق تطهير (وعتق لهذه الانفعالات الحبيسة داخل النفس) وبالتالي فإن حالة (المتلقي) قبل (المشاهدة ثم المرور بتجربة التلقي تختلف بلا شك) عن حالته النفسية (بعد المشاهدة والتلقي وإحداث الأثر الانفعالي والعقلي المطلوب.

والتطهير Catharsis سوف نطيل فيه الحدث قليلاً ويحسن بنا أن نذكر عن التطهير الحقاق الآتية:

  • كلمة التطهير مشتقة من كلمة إغريقية تعني التطهر أو الطهارة Purification وهي كلمة تشير إلى التحرر من التوتر.
  • أن هذا التحرر أو التطهر يفترض حدوثه نتيجة إطلاق العنان بقوة للانفعالات الحبيسة (أو المعتقلة أو المكبوتة أو حتى المكظومة) داخل النفس.
  • كان أرسطو حين ذكر مصطلح التطهير كان يقصد تحديدًا (المسرح – والذي كان أكثر وسائل الإعلام والآداب والفنون المنتشر آنذاك).
  • وكان أرسطو يقصد تحديداً ذلك المسرح الذي يقدم الأعمال التراجيدية والأوبرا.
  • ثم جاء بعض المحللين النفسيين أمثال (بروير وفرويد) وقدما فكرة مماثلة وذلك عندما طورا العلاج الذي يتم على الأريكة couch tlerapy الخاص بهما من خلال استخدام أساليب مثل:-
  • التنوير المغناطيسي.
  • التداعي الحر الطليق.
  • تفسير الأحلام.
  • وكان هدفهما هو التخفيف من وطأة العصاب من خلال التفريغ الانفعالي Abraction ومن خلال التحرر ومن ثم الاستبصار بطبيعة الانفعال المعوق والمرتبط بخبرات غير سارة تنتمي إلى مرحلة الطفولة وهي خبرات يقال أنها قمعت في العقل اللاشعوري.
  • وخلاصة ما نريد قوله هو أن (الولع) و(تذوق) الآداب والفنون ما هو إلا نوع من العلاج النفسي الذاتي، ولذا فإننا نجد العديد من صور وأشكال العلاجات مثل:-

1 – العلاج بالقراءة       Bibiotherapy

  • ويطلق عليه البعض العلاج بالقراءة أو القراءة العلاجية.
  • ويعتبر البعض القراءة – أيضا – نوعا من العلاج بالعمل.
  • والعلاج بالقراءة هو استخدام مواد مكتوبة يقرأها المريض ويتفاعل معها ويستفيد منها لتحقيق التوافق والصحة النفسية.
  • والعلاج بالقراءة متعدد الأهداف والفوائد.
  • كما يستخدم العلاج بالقراءة في علاج العديد من الاضطرابات.

2 – العلاج النفسي بالفن          Art – psychotherapy

  • وهو طريقة تقوم على تناول واستخدام التعبير الفني التشكيلي وتوظيفها بأسلوب منظم ومخطط لتحقيق أغراض تشخيصية وعلاجية وتنموية في أنشطة فردية أو جماعية حرة أو مقيدة وذلك وفقاً لأهداف خطة العلاج وتطور مراحلها وأغراض المعالج وحاجات المريض.

وهذا النوع من العلاج له أسس وإجراءات وفنيات كما أنه من خلال هذا النوع من العلاج نستطيع:

  • تشخيص الحالة المرضية.
  • التقويم للشخص من خلال تحديد الجوانب الإيجابية والسلبية في شخصيته.
  • رسم خطة للعلاج.
  • أن ممارسة (أو حتى تذوق الفن) في حد ذاته يقود الفرد إلى العلاج.

ذلك لأن الفن يتيح للفرد قدرًا من (التنفيس) وإخراج (الشحنات الانفعالية السيئة أو المؤلمة بداخله) ولا شك أن هذا التفريغ حين يقوم الفرد به يقود الشعور إلى الراحة النفسية وإعادة (تقييم الذات) والنظر إلى الذات والعالم والآخر نظرة إيجابية.

3 – العلاج بالموسيقي    Music therapy

  • والعلاج بالموسيقي هو إدخال الموسيقي كأحد الوسائل أو الفنيات التي من خلالها يستطيع المعالج أن يحدث آثاراً إيجابية في نفس الفرد.
  • فاختيار نوعاً من الموسيقي (المبهجة) يدخل السرور والفرح على الفرد ويغير (مزاجه) السيئ/ المكتئب إلى مزاج (سعيد) ولا شك أن تغير الحالة الانفعالية من الأسوء إلى الأفضل يساهم بلا شك في:-
  • تغيير الأفكار من سلبية إلى إيجابية.
  • حدوث تغيير ملحوظ إيجابي في علاقة الفرد نفسه (مع نفسه).
  • تغيير ملحوظ إيجابي في علاقة الفرد بالآخرين (بل وبالعالم).
  • أن الفرد يكون إيجابياً بصفة عامة ولا شك أن هذا يكون له أعظم الأثر ويصب في (صالح المجتمع) الذي يعيش فيه الفرد أن لم يكن صالح الإنسانية (خاصة في المخترعات العلمية والطبية وفي كافة المجالات خاصة إذا كان هذا (الاختراع) يحل مشكلة (مزمنة) كانت تعاني منها الإنسانية، ويخلق حالة من السعادة.

وأن الموسيقي لا تؤثر في (تغيير) الحالة المزاجية بل تؤثر أيضا في:-

  • حدوث آثار إيجابية فسيولوجية/ جسدية تنعكس على كافة أجهزة الجسم.
  • حدوث أثار إيجابية اجتماعية إذ أنها تساهم بدور جد مهم في حدوث التفاعل الاجتماعي الإيجابي بين الفرد والآخرين بل وتؤدى إلى:-
  • زيادة العمل التعاوني.
  • لا مانع من التنافس بين الفرد والآخرين بشكل معقول.
  • زيادة جوانب النمو الاجتماعي.
  • زيادة الإنتاج.
  • تحسين بيئة العمل.
  • تحسين بيئة الدراسة.
  • تنمية روح الفريق.
  • تنمية الشعور بالمبادأة.
  • تنمية الشعور بالمسئولية الاجتماعية.
  • الأهم تمضية أو تزجية أوقات الفراغ بصورة إيجابية (خاصة إذا تذكرنا المثل الإنجليزي الذي يقول (أن الشيطان يوظف العاطل) أي أن الفرد أو الجماعة أو حتى المجتمع الذي لا يكون لديه خططا لتمضية أوقات الفراغ بصورة مشروعة فإن (الشيطان وكافة صور الانحرافات) تساهم في ذلك.

4 – العلاج بالشعر:

لفاروق شوشة كتاب بهذا العنوان (فاروق شوشة 1995، العلاج بالشعر وأوراق أخرى – الطبعة الثانية) حيث أورد كتاباً أجنبياً بهذا العنوان (العلاج بالشعر) أشرف عليه الدكتور/ جاك ليدى (مدير مركز العلاج الشعري في نيويورك، وضم المحررين لهذا الكتاب أكثر من عشرين عالمًا من تخصصات مختلفة في الطب، والطب النفسي، والفلسفة، وعلم النفس، والنقد الأدبي، واللغة، وعلم الاجتماع .. إلخ. والجميع يدلون بخبراتهم النظرية والميدانية حول: العلاج بالشعر.

والكتاب هذا يؤكد على الحقائق الآتية:

  • أن الوعي بقيمة الشعر كقوة شافية ومعالجة للنفس البشرية قد بدأت منذ عصر اليونان القدماء حيث أنهم عبدوا (أبوللو) وقدسوه باعتباره الرمز المتشخص للشمس وكأب لأسكيليوس كإله ثنائي للطب والشعر.
  • بعد قرون متطاولة اكتشف فرويد عالم اللا وعي بالنسبة للشعراء وأرجعه إلى الجذور النفسية الخبيئة في الماضي.
  • ولذا فإن فرويد يؤمن بأن الأدباء وكافة من يعملون في مجال (الفنون) إنما هم أول من أطلق العنان للكشف عن الحقائق العميقة في خبايا النفس.
  • وسار على نفس المنهج – وأن حدثت بعض الاختلافات في الكم والكيف – العديد من علماء النفس أمثال: أدلر، ويونج، ومورينو وغيرهم حيث أكدوا أن الأدباء والفنانين قد عبدوا دروب ودهاليز لم يطأها العلم من قبلهم أي أنهم قد كشفوا وحللوا وأماطوا اللثام عن كثير من حقائق الإنسان وسلوكه ومعتقداته وعقده قبل العلم بوقت طويل.
  • مع التأكيد – مرة أخرى على ما ذكره أرسطو – حول فعل التطهير ويعني التخلص من شيء مؤلم ومفزع، أنه علاج نفسي لأنه عقب (التلقي) تحدث الراحة النفسية.
  • لذا لا عجب أن ينصب الإغريق أبوللو إلها للشعر والطب معاً. لأن الشعر (وكافة أشكال الأدب والفنون) تحدث أثاراً إيجابية في النفس تماما كما يفعل الطب.
  • جاء العالمان سميث وتويفورت في منتصف القرن العشرين ليؤكدا أن الأدب يمكن أن يستخدم كعلاج في حالات المرض العقلي والنفسي عن طريق مساعدة المريض للحصول على معرفة أفضل عن نفسه وعن ردود فعله ومساعدته أيضا على تحقيق مستوى أفضل للتوافق مع ذاته ومع الآخرين.
  • أن الشعر (والأدب والفنون) لا شك أنه يحقق للنفس الراحة والأمان والطمأنينة عبر كافة العصور ذلك لأن كل جيل وعبر مختلف العصور قد وجد من الشعراء والأدباء ما يعبر بصدق عما يجول في خاطره.
  • أن بعض الأدباء قد تجاوز عصره من خلال اكتشافه المذهل للعديد من حقائق السلوك الإنساني مثل: هوميروس، وتشوسر، وسوفكليس، وشكسبير، وتنيون، ولنجفلو، وويتمان، وتشيكوف، ومكسيم جوركي، وإميل زولا، وديستوفسكي وغيرهم الكثير والكثير.

كيف يتم علاج المريض نفسياً وعقلياً بالشعر؟

  • يقول العالم (روبرت جونز) – وهو أحد المشاركين في هذا الكتاب القيم الآتي:
    • أن كل اختيار يتضمن خسارة.
    • عندما نتخذ قرارًا بشأن حياتنا فإننا يجب أن نقلع عن شيء أو نضحي ببديل.
    • وعندما نقرر التوقف من أجل شيء فنحن إنما نهمل دربًا آخر ونتجنبه.
    • ولذا فإن المريض النفسي شخص مرهف الحس يجد صعوبة في اتخاذ القرارات ولذا فأنه يتطلع إلى الغرض أو الهدف الذي أصبح مفقودًا.

ولذا فإن العلاج النفسي بالشعر يتطلب جملة من الشروط في المحاور التالية:

  • من سيقوم بالعلاج.
  • المرضي الذين سيقرر ضمهم إلى العلاج.
  • اختيار الفنيات (أو القطع الشعرية أو القصائد التي سيتم طرحها للنقاش والحوار).
  • تحديد مسبق لوقت الجلسة.
  • اختيار المكان وفق شروط محددة – الذي سيتم فيه ممارسة هذا النوع من العلاج.
  • بعد تحديد كل ما سبق واجتماع الأفراد في (جلسة العلاج) يحدث الآتي:
    • توزيع ورقة بها (ثلاث أو أربع) مقطوعات شعرية.
    • يقوم المعالج بقراءة القصيدة مرتين بصوت مرتفع واضح وبإلقاء بطئ.
    • التركيز على مقاطع من القصيدة التي سوف تكون محلا للمناقشة إبان الجلسة.
    • بعد القراءة فإن الفرد (المستهدف للعلاج) سوف تنتابه حالة من السكون المتطلع إلى المعرفة.
    • يقوم الفرد (بفحص) كل مشاعره وردود أفعاله
    • يبدأ المعالج بسؤال كل شخص عن شعوره أو رد فعله تجاه القصيدة أو المقطوعة من الشعر هذه.
    • ليست مهمة المعالج في هذه الحالة تنمية القدرات اللغوية، أو كيفية فهم الشعر بل أن مهمته الأساسية هي: إيقاظ الفكرة العاطفية والشعورية للقصيدة.
    • يبدأ بعد ذلك في (تجميع) التداعيات ، والتي تعكس مخزونا من التجارب والذكريات والبحث عن المعني وعن القصيدة وعن المعني الكامن وراء ذلك لدى كل شخص من الحضور.

كيف يمارس الشعر دوره في عملية العلاج النفسي؟

  • أن الدور الذي تحدثه الأحلام وتفسيرها وحل الكثير من (الغاز) المعني والوجود الإنساني يكون الأمر تماماً مثله في الشعر.
  • ذلك لأن الشعر والحلم ينحدران من منطقة اللا شعور وكلاهما يتم تشكيله نتيجة للفيض التلقائي من المشاعر والانفعالات الجياشة.
  • وأن لغة ومنطق ومفردات الشعر تكون مثلها مثل (لغة ومنطق ومفردات الأحلام) في حاجة إلى فك ألغازها حتى نصل إلى (لب وجوهر) ما يعتمل داخل النفس من صراعات وإحباطات وعقد وأحلام وطموحات … إلخ.

*        *        *        *        *

ونكتفي بهذا القدر من الحديث عن أهمية الآداب والفنون في العلاج النفسي.:

مع الأخذ في الاعتبار – كما يقول (الرشيد بوشقير 2013) من “أن الفنون قديما كانت تشكل وحدة متكاملة لا انفصال بينها. فالكلمة والموسيقي والنحت والعمارة عند الإغريق – كمثال – كانت تتعاقب متناغمة متداخلة من حيث الشكل والمضمون ولكنها أخذت تنفصل عن بعضها وتستقل بذاتها على نحو ما استقلت العلوم الأخرى عن الفلسفة التي كانت شجرة وارفة الظلال ذات أعصان وأفنان متنوعة”.

(الرشيد بوشقير، 2013، ص6)

ما هي وجهة نظر فرويد في مسألة الإبداع بصفة عامة والإبداع الأدبي بصفة خاصة؟

يمكن أن نلخص آراء سيجموند فرويد في الإبداع في الآتي:

  1. الفن وسيلة لتحقيق الرغبات في الخيال تلك الرغبات التي أحبطها الواقع إما بالعوائق الخارجية وإما المثبطات الأخلاقية والفنان أو الأديب هو في الأساس إنساناً يبتعد عن الواقع لأنه لا يستطيع أن يتخلي عن إشباع غرائزه التي تتطلب الإبداع ولذا يهرب من الواقع حتى يعود إلى الواقع مرة أخرى ولكن بنظرة جديدة (ولذا فقد شبه فرويد على سبيل المثال ما بين المبدع والمجنون – كما سبق وأشرنا – فكلاهما يبتعد عن الواقع إلا أن المبدع ينجح في العودة إلى الواقع مرة أخرى في حين أن المجنون يفشل في العودة إلى هذا الواقع ويعيش في منظومة من الهلاوس والهذاءات والتخيلات ، ورغم ذلك فإن مثل هذه الأمور تحتاج إلى من يفهمها، ولذا فإن فرويد في محاولة للكشف عن طبيعة مرض البارانويا قد انصبت اهتماماته منذ عام 1911 على ما أسماه عقدة الأب وأخيولة الرغبة كأبرز ما يميز حال الرئيس شريير حاول الربط بين طبيعة الهذاءات والهلاوس وغيرها من مظاهر عدم التوافق التي يبديها الشخص البارانويوي في محاولة من فرويد لفض المجهلة بهذا الاضطراب وهذه اللغة الغريبة المألوفة للعامة كما يحدث في المجال الأدبي مثلا (انظر مثلا كتاب فرويد: خمس حالات من التحليل النفسي ترجمة صلاح مخيمر، عبده رزق، مراجعة وتقديم مصطفى زيور، مكتبة الأنجلو المصرية، 1993، ط3).
  2. ينظر فرويد إلى الفن والأدب بأنه منطقة وسطي بين عالم الواقع الذي يحبط الرغبات وعالم الخيال الذي يحققها وعالم الخيال الذي نظر إليه فرويد على أنه مستودع يتم تكوينه أثناء عملية الانتقال المؤلمة من مبدأ اللذة إلى مبدأ الواقع ومن أجل القيام بعمليات تعويض بديلة عن عمليات الكف للغرائز في الواقع وأن أعماله الإبداعية هي الإشباعات الخيالية للرغبات اللا شعورية ومثلها مثل الأحلام تكون على هيئة تسوية أو حل وسط حيث أنها تجبر على عدم نشوب أو تجنب أى صراع مباشر مع قوى الكبت ولكنها تختلف عن النواتج غير الاجتماعية والنرجسية الخاصة بالأحلام في توجه من أجل استثارة اهتمام وتعاطف الآخرين، كما أنها تكون قادرة على إثارة وإشباع نفس الاندفاعات الغريزية لديهم.
  3. رغم أن فرويد قد اعترف في أكثر من موضع أن الأعمال الأدبية تستثير التحدي لفهمها إلا أن ذلك لم يمنع فرويد وأنصاره من تناول الكثير من الأعمال الإبداعية والسير الذاتية للعديد من الفنانين. ولعل كتاب فرويد ودرة إنتاجه “تفسير الأحلام” والذي ظهر عام 1900م وأدى إلى تغير النظرة إلى الأحلام من مجرد هلاوس وأشياء لا قيمة لها إلى وضعها موضع اهتمام وتحليل، وقد فتح المجال لفرويد إلى تقديمه دراسات عن “ليونارد دافنشي ودستوفسكي وغيرهم، كذلك يجب الإشارة إلى دراسات يونج وهانز ساكس، وأوتورانك، وأوتوفيسكي وإيريك فروم وغيرهم.
  4. افترض فرويد أهمية أن يشتمل الإبداع على عمليتين من التفكير هما:
    • تفكير العمليات الأولية ويعرفه بأنه لا شعوري وبدائي يتحرك من خلال مبدأ اللذة ويهدف إلى التخفيف من حالة التوتر ويتمركز داخل الذات ويدور حول المعاني الانفعالية المرتبطة بالرموز والصور.
    • تفكير العمليات الثانوية وقد أطلق عليه اسم النكوص أو الارتداد على عمليات العودة إلى العمليات الثانوية وأطلق على عملية العودة إلى العمليات الثانوية اسم الارتداد في خدمة الأنا.

وأن تفكير العمليات الثانوية يرتبط بشكل واضح بمبدأ الواقع فالتفكير يكون مرتبطا بالواقع، والمبدأ الذي يكون عليه هو: مبدأ الواقع ، فالموضوع يكون هو ذاته كما هو ليس بديلاً لشيء آخر ويتم تنظيم الأفكار لعلاقات بالذات المفكرة فيها ، وحيث أن تفكير العملية الثانوية مهتم أكثر بكيفية ارتباطات الموضوعات والأشياء الخارجية ببعضها البعض ، فإن هذا يتطلب من الأديب أو المبدع تفاعلاً مستمرًا.

  1. أخذ مسألة الصراع أو التوتر الإبداعي في الاعتبار بل النظر إلى الصراع النفسي الداخلي على أساس أنه يلعب الدور الأكبر في عملية الإبداع، وأن الصراع يعد بمثابة القوة الدافعة التي تدفع المرء في عملية الإبداع.
  2. النظر إلى العمل الأدبي أو الفني كنوع من حل هذا الصراع والوصول إلى حالة من التوازن وحل للصراع وخاصة ذلك التوازن بين عمليات تفكير العمليات الأولية في مجال الإبداع الفني، وكذا قوى التفكير الثانوية مع تأكيد أكثر على العلميات الثانوية بالنسبة للإبداع الفني.
  3. أن الأديب أو الفنان أو المبدع يجب أن يكون منفتحاً ومستقبلاً للأفكار والخبرات الجديدة بل ويكون قادراً على كيفية التعامل بل والتحكم في مثل هذه العمليات والتعقيدات المعرفية التي تفرضها هذه الأفكار والخبرات والتي تعد جوهر عملية الإبداع.
  4. أن الكاتب أو المبدع (بكافة الصور والأشكال) لابد أن يكون لديه قدرات متميزة ومتفوقة خاصة في المجال اللغوي وله القدرة على تشكيل الكلمات وتطويعها بشكل يفوق الإنسان العادي. ألا تقول أن الأدباء هم أمراء الكلام يتصرفون فيه كيف شاؤوا؟!
  5. أن المبدع لا يظل دوما في حالة إبداع بل يمر الإبداع لدى المبدع بمراحل ولحظات منتجة، وأخرى عاطلة ويختلف الأشخاص بالطبع في نوعية قدراتهم وصفاتهم ومدى الغزارة أو عدم الغزارة في الإنتاج، ولهذا فأن مسألة “الفروق الفردية هذه يجب أخذها بعين الاعتبار من خلال الأخذ في الاعتبار كافة الظروف الداخلية والخارجية التي تحيط بالشخص المبدع أو الفنان.
  6. أن المبدع يحتاج “للإلهام” وليس بالضرورة أن يكون ذلك هو “الحبيب الملهم” ، بل يمكن أن يكون قضية أو فكرة أو معاناة خاصة أو حدث من أحداث الطفولة وأن اختلاف أشكال المعاناة والحرمان وشدتها يؤدى إلى اختلاف الإبداع ، وأن الآلام تعد محركاً للنفس وأكبر مثير للتوتر والإبداع، ولذا فإن الإبداع يخفف الألم ويشكله ويحوله، مما يعطي خلقا جديدًا يسعدنا كمتلقين ويعمل كعلاج نفسي للمبدع.
  7. أن المبدعين يعانون من حساسية مفرطة قد توقعهم في العديد من الاضطرابات النفسية والعقلية وغرابة السلوك ولذا لا عجب أن نجد ربطا بين الفنون والإبداع وربطه بالاضطراب ألا نقول إن “الجنون فنون”.

وقد تناول هذه القضية بصورة أكثر تفصيلاً كل من:

  • عبد الستار إبراهيم (2002) الحكمة الضائعة: الإبداع والاضطراب النفسي والمجتمع، عالم المعرفة العدد (280).
  • مرى بنيلوبي (1996) العبقرية – تاريخ الفكرة (حيث ضم هذا الكتاب العديد من الأبحاث التي ربطت أو ناقشت العبقرية والاضطراب العقلي) ترجمة محمد عبد الواحد، مراجعة عبد الغفار مكاوى، الكويت، سلسلة عالم المعرفة.
  • شاكر عبد الحميد (1987) المرض العقلي والإبداع الأدبي، مجلة عالم الفكر، المجلد (18) العدد الأول، ص ص 43-88.
  • ومن أشهر الدراسات الأجنبية في هذا الصدد دراسة الطبيب النفسي الإنجليزي بوست Post والتي نشرها في مجلة الطب النفسي في إنجلترا، سنة 1994 بعنوان: الإبداع وعلاقته بالأمراض والاضطرابات.

لكن تظل الحقيقة (أو الحقائق) التي تؤكدها مثل هذه الدراسات الآتي:

  • أن الاضطرابات النفسية تصيب المبدعين بنسبة أعلى من الناس العاديين.
  • الاضطراب النفسي يؤدى إلى الإبداع بشرط أن لا يكون الاضطراب شديدًا، ذلك لأن الاضطراب الشديد لا ينتج إبداعًا جيدًا، كما تعلمنا التجربة اليومية مع حالات الاضطراب النفسي ، وكما تدل عليه سيرة المبدعين.
  • أن المعاناة من الاضطراب النفسي الشديد تؤدى إلى حالة من التوقف التام عن الإبداع، لأن الاضطراب الشديد هو حالة من التفكك والتدهور وعدم الترابط ، والإبداع الجيد يحتاج إلى حد أدنى من المنطق والتوازن والصحة النفسية.

ما تثيره القصة الشاعرة من قضايا:

1 – قضية ترجمة القصة الشاعرة:

في دراسة جد مهمة قدمتها د/ ريهام حسنى بعنوان: القصة الشاعرة بين التأصيل والترجمة (المؤتمر العربي الخامس 2014). ذكرت العديد من التحديات التي تواجه من يريد أن يتصدى لترجمة القصة الشاعرة بداية من العنوان. فالقصة لا وجود لأى خلاف بالترجمة story لكن المشكلة تكمن في ترجمة الشاعرة (وذلك لوجود فروق شاسعة بين مصطلح الشاعرة ومصطلحي: الشعرية/ الشاعرية، إضافة إلى النص حيث تحتل كل كلمة مكانها الصحيح داخل النص بشرط أنها لا تستطيع – أي المفردة أو الكلمة – أن تغادر مكانها، لأن كل لفظه لابد أن توضع بعناية وتضرب لذلك العديد من الأمثال فلفظة: الحجر الأسود لا يجب أن تترجم بنفس دلالة الألفاظ ولكن بدلالة الكعبة وما تمثله من قداسة دينية في قلب وعقل ووجدان كل مسلم.

ولذا تؤكد على وجود أن الذي يقوم بالترجمة لابد أن يراعي الخصوصية الثقافية/ الحضارية للسياق الذي يقوم بالترجمة منه إلى سياق ثقافي/ حضاري آخر ولذا فالخلاصة نحن نحتاج إلى مترجم تتوافر به العديد من الشروط أهمها الثقافة الموسوعية وفهم دلالة ومعاني كل لفظة ترد في نص القصة الشاعرة،

أما المصطلح يبقى بمنطوقه العربي ، وتختلف الحروف تبعًا للغة المُترجم إليها، مثل “النوفيلا” الفرنسية ، وكذا ، فإن “القصة الشاعرة” كمصطلح ينطق بمنطوق نشأته “العربية” ، ويكتب بالإنجليزية مثلا هكذا : Alkesa Alsha’era

2 – نقاد ورؤيا مختلفة:

يتطرق محمد الشحات محمد في بحثه المعنون: القصة الشاعرة بين النقد الإبداعي والإحساسات العامة للمجتمع (المؤتمر العربي الخامس للقصة الشاعرة 2014) إلى هذا الفن الجديد ، والذي يحتاج بدوره إلى نقاد ذوي رؤية جديدة وتطبيق وإبداع قوالب يتم من خلالها النقد لهذا الجنس الأدبي الجديد، بدلا من الاستسهال وتطبيق النقد في شكلة التقليدي بدون مراعاة مدى اختلاف هذا الجنس الأدبي عن الأجناس الأدبية الأخرى المعروفة والمألوفة.

فهل يوجد نقاد على وعي وفهم بآليات وتقنيات كتابة القصة الشاعرة وإبداع نظريات جديدة تواكب هذا الإبداع الجديد الفريد لفن القصة الشاعرة؟

3 – العلاج بالقصة الشاعرة:

إن للقصة الشاعرة سماتها وخصائصها الجمالية المُميزة ، مِمّا يحتم اختلاف البنية والشكل، مع توظيف خصائص الشعر والقص معًا ، واعتبار التفعيلة الشعرية ضرورة سردية، والخلفيات الموسيقية والتشكيلية ، وسيمياء كتابة النصوص ، وفضاءات الرمز والتكثيف وتفسير الحلم بالواقع المعيش ، وكلها تقنيات تفرض سؤالا:

هل يمكن العلاج بالقصة الشاعرة من خلال محور الشعر، أم أن للقصة الشاعرة محاورها باعتبارها نصًّا جامعًا؟

أهم المراجع والقراءات

  • رشاد رشدى (1982)، فن القصة القصيرة، القاهرة المكتب المصري الحديث، ط5.

– ريهام حسني (2014)، “القصة الشاعرة بين التأصيل والترجمة” في كتاب: القصة الشاعرة .. النسق والحضور – المؤتمر الخامس، القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة  ص 23-35

  • سامى الدروبي (1981)، علم النفس والأدب، القاهرة: دار المعارف، الطبعة الثانية.
  • السيد رشاد (2014)، القصة الشاعرة.. رهان المستقبل في كتاب: القصة الشاعرة: النسق والحضور المؤتمر الخامس للقصة الشاعرة، 2014 ص9-19 القاهرة: الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة.
  • فاتن حسين (2010)، القصة القصيرة: قضايا النشأة والتطور والانتشار في الثقافات الإنسانية، القاهرة.
  • محمد الشحات محمد (2007)، الموج الساخن – قصص شاعرة جنس أدبي جديد، القاهرة: دار النشر الأدبية.
  • محمد الشحات محمد (2014)، القصة الشاعرة بين النقد الإبداعي والإحساسات العامة للمجتمع في كتاب: القصة الشاعرة.. النسق والحضور، المؤتمر الخامس، القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة ص37-55.
  • محمد حسن غانم (2017)، الأدب والتحليل النفسي، الإسكندرية، دار الوفاء لدينا الطباعة والنشر.
  • محمد حسن غانم (2019)، علم النفس والأدب؟ القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب.

 

(*) أستاذ علم النفس كلية الآداب – جامعة حلوان.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق