شعبة المبدعين العرب

الدكتورة نجلاء الورداني تكتب عن احتفالاتنا الدينية وجودة الحياة للأفراد والمجتمعات

للاحتفالات الدينية أهمية اجتماعية ونفسية عظيمة في حياة الأفراد

الاحتفالات الدينية وجودة الحياة المعاشة للأفراد

بقلم الدكتورة/ نجلاء الورداني

حين نتحدث عن مفهوم جودة الحياة للأفراد والمجتمعات فإننا لا نتحدث عن تنمية الحياة الاقتصادية والتكنولوجية فحسب، ولكننا نجد أنفسنا بصدد الحديث عن تنمية اجتماعية وذاتية للأفراد والجماعات تشعرهم بالتغلب على ضغوطهم اليومية المعاشة وتحقيق قدر من الرفاهية والسلم الاجتماعي، فللاحتفالات أهمية اجتماعية ونفسية عظيمة في حياة الأفراد إذ تمنحهم مقومات السعادة المجتمعية، فالأمم التي تحترم ذاتها هي التي تقيم ثقلًا للاحتفالات والمناسبات الاجتماعية والدينية سواء أكان ذلك لها أم لغيرها من الشعوب، ولا يرتبط هذا بأوقات السلم فقط، بل في أوقات الحرب أيضًا حيث يكون للاحتفال قدسيته وبهجته فيمنح الأفراد قوة معنوية تجعلهم قادرين على مواكبة ما يعوق حياتهم من أحداث سلبية تهزم معها قواهم.
وتتجدد الأهمية الاجتماعية للاحتفالات بأوقاتها المحددة من عام لعام، بحيث تجدد معها الهمة والنشاط البيولوجي والنفسي والاجتماعي للأفراد فنجدهم قادرين على تحقيق التواصل الاجتماعي والأسري بتبادل التهاني والزيارات التي تعد سمة مميزة لهذه المناسبات؛ فتقوى بذلك الأواصر الأسرية والعائلية والعلاقات الاجتماعية، والتي يتحقق معها الشعور بالطمأنينة ونشر السعادة والارتياح النفسي، بعد أن فرقتهم ضغوط الحياة ومشاغلهم الاجتماعية في ظل سماوات إلكترونية مفتوحة جعلتهم أكثر فرقة بالاستغناء عن مشاعر التقارب الجسدي والنفسي بين الأفراد والاكتفاء بعبارات ورموز إلكترونية تجردت من مشاعرها الروحية والإنسانية.
أيضًا تحقيق بعض مظاهر التكافل الاجتماعي بين أفراد المجتمع بتفقد الأسر المحتاجة والفقيرة، فيجتمع شمل المجتمع وصفه الواحد متوجًا ذلك بمظاهر جماهيرية للاحتفال في الأماكن والساحات العامة وإحياء شعائرها الدينية والاجتماعية، ولا أجد مثالًا يدل على ذلك سوى احتفالاتنا هذه الأيام بذكرى المولد النبوي الشريف أعاده الله على العالم الإسلامي والعالم أجمع بالخير والبركات. ففي يوم الإثنين الموافق الثاني عشر من ربيع الأول من عام الفيل، أشرقت الدنيا بميلاد سيد الخلق أجمعين رسولنا الكريم محمد “صلى الله عليه وسلم”.
ويعد الاحتفال بالمولد النبوي الشريف تذكرة عظيمة بمولد خير الأنام والاقتداء بصفاته وسيرته العطرة، تلك السيرة النبوية التي حملت معها رسالة السلام فنبذت التخلف والطائفية، فمولد النبي “صلى الله عليه وسلم” كان إيذانًا ببدء عصر جديد وتمهيدًا لنزول الرسالة السماوية الخالدة إلى الناس كافة “رسالة الأمن والسلام”. ومن صور الاحتفال به أن يحيي المسلمون سنة النبي “صلى الله عليه وسلم”، فيكثروا من الصلاة عليه والصدقات وتلاوة القرآن، والأناشيد والتواشيح الدينية. إضافة إلى عرض الوسائل الإعلامية المسموعة والمقروءة لخلقه الكريم وأعماله في حفظ أمن الإنسان وتحقيق سعادته المنشودة، وصون كرامة الآخر المختلف وحفظ حقه في الحياة والاستمتاع بها، وبالمثل تقام حلقات علمية في دور العبادة والمحافل العامة لتعطي دروسًا دينية مستوحاة من سيرة النبي “صلى الله عليه وسلم” لحياته اليومية والأسرية والاجتماعية، وطرق مقاومته للضغوط الحياتية وحلوله للمشكلات المجتمعية الموروثة والمعاصرة.
وتقوم غالبية الدول العربية بمنح العاملين بها إجازات في مثل هذا اليوم، فتجعله عطلة رسمية لكل مؤسسات الدولة لتزين فيه الشوارع بالأنوار والمصابيح الملونة لاسيما في داخل المساجد وساحاتها، كما تعد عدد من حكومات الدول العربية احتفالات رسمية كبيرة بهذه المناسبة، يحضرها بعض رموز الدولة والقادة، وإننا في مصر لنفعل هذا بأكمله، حتى إننا نحتفل بهذه المناسبة طيلة شهر ربيع الأول فنقيم الشوادر بألوانها الزاهية ونصنع العرائس والدمى المختلفة الأشكال، والحلوى متعددة المذاقات احتفالًا بالمولد النبوي الشريف، فلقد كان رسولنا الكريم محبًا لها ويعطيها لأطفال المسلمين كمصدر للبهجة والسرور، أيضًا تكتب القصائد المغناة في مدح خير البرية أجمعين، وتصرف المكافئات وتقوم الدولة والقيادات السياسية بدعم الحلوى لتشمل كل الشعب بطوائفه مسلمين ومسيحيين، فهي لدينا مناسبة دينية عامة يشترك فيها الجميع، فمصر طيلة تاريخها لا تعرف للاحتفالات سواء دينية أم اجتماعية تفرقة بين الشعب وفئاته، وهذا هو الأمر الذي يذكرنا دومًا كأفراد بأسس التعامل مع بعضنا البعض متفادين ما استحدث على مجتمعنا من مشكلات تسعى نتائجها لنبذ السلام والإخاء فيما بيننا. حبيبي يا رسول الله صلوات الله عليك وسلامه.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق