أخبار عربية وعالمية

دلالات حصول سلطنة عُمان على درجة “صفر” في سُلم المؤشر العالمي للإرهاب

كتب – سمير عبد الشكور:

حمل حصول سلطنة عُمان على المركز الأول عالميا في الخلو من الإرهاب وفق مؤشر السلام العالمي للعام 2019 ولعدة سنوات على التوالي، العديد من الدلالات على مستوى بناء المجتمع العُماني على ركائز خالية من الإرهاب، حيث قفزت سلطنة عُمان 38 مركزا في مؤشر الموارد البشرية وسوق العمل وذلك من المركز الـ 103 عالميا في عام 2017 إلى المركز الـ 65 عالميا في عام 2019.

ولم يأتي حصول سلطنة عمان على درجة “صفر” في سُلم المؤشر العالمي للإرهاب، وهي الدرجة التي تمثل ذروة الأمان من التهديدات الإرهابية، من فراغ أو بمحض الصدفة وإنما جاء ترجمة لجهود عُمانية في مجال بناء السلم الاجتماعي  ووضع الأسس الراسخة لفكر وقيم التسامح والتعايش ليس بين المواطنين وحسب، وإنما تطبيق هذا الفكر على مستوى السياسة الخارجية وفي علاقات سلطنة عُمان مع كافة دول العالم.

حيث تضمن تقرير مؤشر تنافسية السفر والسياحة لعام 2019، الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، وهو التقدم الأكبر بين دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث تقدمت السلطنة 8 مراكز في مؤشر البنية الأساسية للنقل الجوي لتحتل المركز 49 عالميا بـ3.4 نقطة في انعكاس للتقدم الذي أحرزته السلطنة في تطوير وتحديث البنية الأساسية للنقل الجوي؛ وتقدمت السلطنة 13 مركزاً لتصبح في المركز 34 عالميا في مؤشر البنية الأساسية الأرضية والموانئ؛ وجاءت السلطنة في المرتبة الثامنة عالمياً في جودة الطرق وذلك بفضل شبكة الطرق الحديثة والعصرية التي تربط كافة مناطق السلطنة.

ذكرت تقارير دولية أن ثمة آليات جنبت سلطنة عمان وقوع أي عمل من أعمال الإرهاب من خلال سياستها التي تعمل على تشجيع التسامح على الصعيدين المحلي والعالمي، وأن العُمانيين “يركزون على بناء أمتهم بعيدًا عن الدمار والنزاعات”، وأنه لا يوجد عُماني واحد انضم إلى تنظيم “داعش”، أرجعت التقارير ذلك إلى وعي المواطنين العُمانيين وجهود الحكومة في مكافحة فكر التطرف.

ركائز داعمة للفكر المستنير

ارتكز الوعي المستنير لدى المواطنين في سلطنة عُمان على أسس راسخة من خلال قدرة النظام السياسي بقيادة السلطان قابوس بن سعيد سلطان عُمان على وضع ركائز وأسس وبناء مجتمع خال من العنف والإرهاب منذ بداية السبعينيات من القرن الماضي وحتي الآن وعلى مدار خمسة عقود، وتتمثل هذه الركائز في الآتي:

الركيزة الأولى: إنشاء لجان التوفيق والمصالحة في جميع ولايات السلطنة، فقد أحسن المشرع العماني صنعا حينما اصطلح على التسوية الودية للمنازعات فيما بين الأفراد بمصطلح التوفيق والمصالحة من خلال اللجنة المحدثة خصيصا لهذا الغرض ، حيث إن الجهة المختصة بحسم النزاع تستقبل الأطراف المتنازعة وتلجأ في البداية إلى الإنصات جيدا لخلافها عاملة على التوسط فيما بينها بمحاولة التوفيق والتقريب فيما بين وجهات النظر المعرضة متوخية الوصول بها في الأخير إلى المصالحة المنشودة من طرف الجميع .

يُذكر أن لجان التوفيق والمصالحة لا تمس في شيء لا من قريب ولا من بعيد صلاحيات المحاكم القضائية بشأن تسوية النازعات عن طريق الصلح أيضا ، وبالتالي هي لجنة تنشأ بقرار من وزير العدل بصفته الوزير الوصي على قطاع العدل ، موازاة مع ما يقوم به القضاء أيضا في مجال الصلح ، وبالتالي إن إحداث هذه اللجان وتحديد إجراءات عملها وتشكيلها واختصاصاتها تبقى رهينة قرار الوزير الوصي، فهو الأدرى أكثر من غيره بالحاجة الملحة لهذا النوع من اللجان وبطبيعتها وكيفية سير أعمالها إلى غير ذلك من المتطلبات .وبالنسبة  إلى تشكيل اللجان وسير عملها فقد نظمها مرسوم سلطاني، وأن اللجنة هي إما ذات تشكيل قضائي أو شبه قضائي أو مكونة من ذوي الخبرة والحكماء .

الركيزة الثانية: تكريس ثقافة السلم الاجتماعي وقيم العدل والمساواة والمواطنة في سلطنة عُمان، فالسلام هو الاتفاق، الانسجام، الهدوء، وهو حالة إيجابية في ذاتها (الاستقرار والهدوء مثلا)، ويفتح هذا التعريف المجال أمام التفكير في مستويات مختلفة للتعامل مع مفهوم “السلام”. هناك سلام بين دول، وهناك سلام بين جماعات بشرية، وهناك سلام في داخل الأسرة، وهناك سلام بين المرء وذاته.

وقد عملت القيادة السياسية العُمانية على تحقيق قيم العدل والمساواة وتعميق المواطنة، وكانت أول خطوة للسلطان قابوس، أنه وجه نداء لكل عُماني بالعودة إلى وطنه وعقد الولاء للوطن واختياراته النهضوية.

وجاءت النصوص الدستورية من النظام الأساسي للدولة مؤكدة على مفهوم الوحدة الوطنية. ففي المادة الثانية عشرة من الباب الثاني من النظام الأساسي أن “العدل والمساواة وتكافؤ الفرص بين العُمانيين دعامات للمجتمع تكفلها الدولة” و “التعاضد والتراحم صلة وثقى بين المواطنين وتعزيز الوحدة الوطنية واجب، وتمنع الدولة كل ما يؤدى للفرقة أو الفتنة أو المساس بالوحدة الوطنية”.

وقد تضمن نداء السلطان قابوس قضايا هامة منها: الدعوة إلى صفوف الوحدة في سلطنة عُمان وهو ما يشير إلى أن مفهوم المواطنة مرتبط بتلك الوحدة وبخطط التنمية الشاملة، وأن يكون من أهداف العودة الولاء للبلاد لبدء مرحلة جديدة من تاريخها واختياراتها الجديدة في النهضة والتقدم.

فالمتابع للشأن السياسي العُماني يدرك أن النظام السياسي العُماني انطلق من واقع اجتماعي واقتصادي معين ساهم في تشكيله عوامل جغرافية وتاريخية واستراتيجية منذ تولى السلطان قابوس بن سعيد سلطان عُمان الحكم في عام 1970، وكان على النظام كي يرسخ أسس وقواعد الدولة العصرية الحديثة مواجهة نوعين من التحديات وهما: السعي إلى تأسيس دعائم الاستقرار الداخلي المبنى على قاعدة الاندماج والانصهار الوطني في إطار من التكامل والوحدة وقد أثبتت الممارسات السياسية للنظام القدرة على ذلك من خلال التأكيد على تعميق فكرة المواطنة ومشاركة جميع فئات المجتمع في بناء النهضة العُمانية الحديثة.

أما التحدي الآخر فيتمثل في بناء نظام سياسي حديث بصورة متدرجة وسلمية، بحيث يتمكن من استيعاب الشرائح الجديدة من الشباب التي أفرزتها عملية التحديث والتطور مع الحفاظ على الخصوصية الثقافية للمجتمع العُماني والتمسك بتقاليد وثوابت المجتمع التي تدعم الأمن والاستقرار انطلاقًا لتحقيق أهداف وتطلعات هي في غاية الأهمية.

الركيزة الثالثة: بناء سياسة خارجية قائمة على مبادئ التسامح والتعايش مع الآخر، إذ تنتهج سلطنة عُمان في سياستها الخارجية إزاء أي من القضايا الصراعية، على وجه العموم، وفي محيطها الإقليمي، بشكل خاص، استراتيجية الحياد وعدم الانحياز إلى أي طرف، والحياد العُماني يستبطن القدرة على إدارة جهود التهدئة بين الأطراف المتصارعة، وإبقاء جميع قنوات الاتصال مفتوحة مع كافة الأطراف التي من شأنها المساهمة في تسوية الأزمات، والتزامها بالاضطلاع بدور الوسيط بين الفرقاء المتصارعين يتطلب أول ما يتطلب اعتماد مبدأ الحياد التام في التعامل مع أي أزمة دولية.

وترتب على ذلك أن صار للسلطنة سمعة طيبة على مستوى الدبلوماسية الإقليمية والدولية، جعلها ـ بما تمثله من رصيد أخلاقي في تعاملها الخارجي ـ محل قبول لكل أطراف الصراعات. وقد جنت السلطنة ثمار دبلوماسيتها المتزنة ونأت بنفسها عن أي صراعات إقليمية ودولية وباتت ترفل في جو من الأمن والاستقرار الذي لا يقارن في كثير من بلدان المنطقة.

وإجمالاً يمكن القول أن قيم التسامح والتواصل الحضاري والحوار والاحترام والتعاون الإيجابي باتت من الركائز الأساسية التي تقوم عليها العلاقات العُمانية الخارجية على مر العصور وإيماناً من القيادة السياسية العُمانية بالحوار كوسيلة فعّالة وأحد آليات التواصل الحضاري بين شعوب العالم والإيمان المطلق بأن الاختلاف سنة كونية والتقارب ضرورة إنسانية،  والاعتزاز بتاريخ السلطنة وثقافاتها ولغتها وتراثها ووعيها بمسؤولياتها كعضو في المجتمع الدولي من خلال تقديم المساعدة في إيجاد تفاهم متبادل بين الثقافات بما يعود بدوره على نشر ثقافة السلام و التعاون بين الأمم، أنشأ السلطان قابوس الكراسي الأكاديمية العلمية بهف تشجيع الوصول الى مجتمع عالمي معاصر، يعيش في سلام ويوجهه التفاهم المشترك والتسامح وأيضا تقديم وجهات نظر معاصرة حول كيف يمكن للصوت العربي ان يسمع بصورة أفضل لصالح انسجام عالمي أوسع في ظل العولمة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق