مصر البلد الاخبارية
جريدة - راديو - تليفزيون

«هروبٌ إلى الداخل: ديناميّات الوجدان وتحوّلات الصوت الشعري في ديوان “هروب اضطراري” للشاعرة ولاء البركاوي»

بقلم : حسن غريب أحمد 
ناقد باحث روائي شاعر 
​يأتي ديوان “هروب إضطراري” للشاعرة ولاء البركاوي، ليؤكد مجدداً صوتها الشعري المتفرد في ساحة شعر العامية المصرية. بعد فوزها بجوائز إقليمية وإصدارها لدواوين سابقة (“لحظات خوف”، “فتافيت إزاز”)، ترسخ ولاء البركاوي في هذا العمل رؤيتها للحياة والشعر، مقدمةً نصوصاً تتراوح بين الذاتي العميق والاجتماعي الناقد، كلها مصوغة بـعامية مصرية عذبة ومكثفة. 
يمثل هذا الديوان رحلة كشف للذات وهروباً اضطرارياً نحو مساحة الأمان الوحيدة المتبقية: مساحة القصيدة.
​أولاً: العنوان والإهداء..
 سيكولوجية الهروب
​إن اختيار عنوان “هروب إضطراري” هو مفتاح سيكولوجي للديوان بأكمله. إنه ليس هروباً اختيارياً أو ترفاً، بل هو فعل مفروض تمليه ضغوط الواقع وكسر الروح. 
يعكس العنوان وعياً حاداً بالشاعرة بأن البقاء في هذا الواقع مرهق ومؤلم، وأن النجاة تقتضي الانعزال المؤقت أو الدائم في عالم آخر.
​ويأتي الإهداء ليفسر هذا الهروب:
​”إلي كل مايدعونا إلي ان نترجم مشاعرنا إلي حروف… تأخذنا إلي عالم آخر لتولد منها حياة من نوعٍ مختلف”
​تؤكد الشاعرة هنا أن الشعر ليس مجرد تدوين، بل هو آلية تحويل وبناء. 
الحروف هي مادة الحياة الجديدة التي تولد من رحم الوجع والفرح على حدٍ سواء، لتشكل عالماً موازياً يوفر الأمان والمعنى، وهو جوهر الديوان.
​ثانياً: الثيمات الكبرى.. ثلاثية الوجود والشعر والحب
​تتوزع نصوص الديوان على ثلاثة محاور رئيسية تشكل نسيج التجربة الإنسانية لدى ولاء البركاوي:
​1. الشعر ككيان ومرجعية: (مُلك سُليمان، هروب إضطراري، أنا والشِعر)
​تخصص الشاعرة مساحة واسعة لتمجيد فعل الكتابة وتأصيله في الوجدان، رافعةً القصيدة من مجرد فن إلى حالة وجودية:
​”مُلك سُليمان”: يصف الشعر بأنه “ثواب” و”أمان” و”ملاذ”، ويمنح الشاعر سلطة خارقة (ملك سليمان) على المعاني والأفكار، حيث تتحول الفكرة إلى “جِنّي” يفتح “خزاين حواديتُه”.
 هنا يصبح الشعر قوة قاهرة للواقع.
​”هروب إضطراري”: 
تقدم القصيدة كعملية هروب واعية من العتمة إلى “روح القصيدة”، التي هي “أكتر شيء حقيقة”. 
توظف ولاء البركاوي صورة “ريموت” التحكم في القصيدة، في إشارة إلى أن الشاعر هو سيد عالمه الداخلي وكلماته.
​”أنا والشِعر”: 
تذهب إلى أبعد من ذلك، مصورةً علاقة تكامل واندماج بين الشاعرة والشعر: 
“أنا والشعر متفقين، يكون لى الأرض والبذرة، وأكون له زى نهر النيل”.
 هذه العلاقة ليست سطحية، بل هي “جوز مجانين” خارجين عن “نطاق روحنا” وعن “قوانين” الحياة.
​2. الذات بين الرضا والتمزق: (شِبه حياة، ما باعرفنيش، خارج نطاق الذات)
​تتجلى التجربة الوجودية في الديوان من خلال حالة التيه والبحث عن معنى:
​”شِبه حياة”:
 تُعبر عن المعاناة اليومية والروتين القاتل (“الكون بيفَتَّح حواديته”، “اليوم بيرتِّب أفكاره”)، حيث تنتهي محاولات المقاومة بالفشل (“نلاقينا ف نقطة مابدأنا”). تعكس القصيدة إحساساً عميقاً بالهزيمة الداخلية:
 “ولا طولنا النصر وعدينا، ولاحاجة بتمشي علي هوانا”. وينتهي الأمر باكتفاء “بشِبه حياة”.
​”ما باعرفنيش”: 
تعترف الشاعرة بحالة اغترابها عن ذاتها، فهي “تايهة منى أفكارها ف بأعجز إنى أفسرها، وما أفهمنيش”. 
هذا التمزق الداخلي يحول العلاقة مع الذات إلى غربة تصل إلى حد عدم الافتقاد: “ما باوحشنيش”.
​3. الحب بين الانتعاش والوجع: 
(قصاد عينيك، نواحي الروح، فروض العشق)
​يأتي الحب في الديوان كمنقذ ومهدد في آن واحد، فهو اللحظة الفارقة من الفرح، والخوف من زواله:
​”قصاد عينيك”:
 تنتقل القصيدة بحدة بين حالتي الهيام المطلق (“نفسي أرقص، نفسي أسهر، نفسي أغني”) والتوجس من “أما بعد؟؟” 
حيث يتحول القرب إلى بُعد. هذه الثنائية (النشوة والخوف) تمنح النص عمقاً درامياً.
​”بأمر الشوق”: 
يقدم هذا النص العاشق في صورة الحاكم، حيث العين هي “دولة” والشاعرة هي “الحاكم بأمر الشوق”، في استعارة قوية تجعل من الحب سلطة داخلية تحول المعاني والموازين.
​”فروض العشق”: يجسد حالة المعاناة من المشاعر المحظورة أو الممنوعة، حيث تجد الروح نفسها مجبرة على أداء “فروض العشق” رغم استحالة الوصل، وهو تناقض مؤلم.
​4. النقد الاجتماعي والاحتجاج: 
(كل الخانات، الله أكبر…الله أكبر)
​تتخلى الشاعرة عن ذاتيتها لتقدم نقداً لاذعاً ومباشراً للواقع السياسي والاجتماعي المهترئ:
​”كل الخانات”: صرخة احتجاجية تقرأ الواقع المقلوب، حيث يُطلب من الناس تبديل “كل الخانات” لتصبح الأحزان شروطاً والخذلان فضيلة. 
النص يلامس قضايا الظلم والفقر واستلاب الحقائق بجرأة عالية، واصفاً الخنوع بأنه “خرس” والظالمين بـ”فرعون تاني راجع” و”هامان”.
​”الله أكبر…الله أكبر”: نص مفجع ومباشر في رثاء الأمة وضميرها الغائب، يركز على العجز والخداع الذي يحيط بالبراءة والصرخة المكتومة، وهو نموذج للشعر الملتزم الذي يرفض السكوت “وقت أما كان ولابد سيف الحق يعلن عن جهاده”. 
هذا النص هو أكثر النصوص عاطفة وانفجاراً في الديوان.
​ثالثاً: التحليل الفني والجمالي
​1. لغة العامية وسحر المفردة:
​تستمد ولاء البركاوي قوتها من استخدام عامية “القليوبية” العميقة والصادقة، البعيدة عن التكلف.
 المفردات بسيطة لكنها ذات قدرة هائلة على توليد الصورة.
 كما نلاحظ سلاسة في الانتقال بين التعبير المباشر والتعبير المجازي، مثل:
​”نهار بِيصبَّح ع المخاليق” (شِبه حياة) – (تشخيص جميل للطبيعة)
​”فنجان فرحة محوج” (مُلك سُليمان) – (استعارة مكنية تجعل الفرح مشروباً له مذاق خاص)
​”أُمة رضيت بالخرس” (الله أكبر) – (استعارة تعكس حالة الانكسار الجماعي)
​2. الإيقاع والموسيقى الداخلية:
​رغم أن شعر العامية لا يلتزم بالقواعد العروضية للفصحى، إلا أن الشاعرة تمتلك إحساساً عالياً بالإيقاع. 
يظهر ذلك في:
​التكرار: تكرار لازمات معينة مثل “أنا هبقي تمام” في “مُلك سُليمان” أو “نفسي أرقص، نفسي أغني، نفسي أتعشى” في “قصاد عينيك”، لخلق نغم داخلي وتأكيد الحالة الشعورية.
​الجناس والتقفية العفوية: استخدام الكلمات المتشابهة في الوزن والقافية بغير تكلف (مثل: سكات/احتلالك/انسجامك/التئامك/اتحاد قلمك وحالك في “هروب إضطراري”).
​3. الصورة الشعرية المبتكرة:
​تعتمد ولاء البركاوي على خلق صور حسية وملموسة تستفز المخيلة:
​تصوير القصيدة بأنها “أختك مرة بنتك بين حبيبة وبين صديقتك” (هروب إضطراري).
​وصف الوجع في “متجيبش سيرة كان” بأنه فعل ذبح، مع تضمين البسملة كإشارة للتخلي عن الرحمة: “أصل إنت يوم ما دبحت، لا رحمت ولا سميت”.
​تجسيد الحب في “طعم الرضا” كـ”هرمون الأمل” الذي يكسر “كرات الحزن وخلايا الألم”، وهو تقاطع فريد بين اللغة الوجدانية واللغة العلمية/العصرية.
تحليل متكامل للإخفاقات الفنية في “هروب إضطراري”
للشاعرة ولاء البركاوي:
​1. التفاوت بين الكثافة والتقريرية والإطالة (دمج النقطتين 1 و 4)
​المشكلة الرئيسية هنا هي عدم استقرار البوصلة الفنية. الشاعرة قادرة على تقديم صور عميقة ومبتكرة عندما يتعلق الأمر بـ”الشعر” نفسه أو بـ”الذات” المتمردة.
​أين يظهر التميز؟
في قصائد مثل “مُلك سُليمان” أو “هروب إضطراري”، نجد كثافة لغوية وفلسفية عالية، مثل تشبيه الشعر بـ”عصا موسي ومُلك سُليمان”، أو تشبيه القصيدة بـ”ريموت” التحكم في الذات. هنا، الكلمات مختارة بعناية لتخدم فكرة مجردة.
​أين يظهر الإخفاق؟
في المقابل، عندما تتجه القصيدة إلى وصف الحالة اليومية أو الروتين (كما في “شِبه حياة” أو أجزاء من “مش لاقي روح”)، فإنها تميل إلى التقريرية والإطالة؛ بمعنى أن القصيدة تصف ما يحدث بدلاً من أن تخلقه فنياً.
​على سبيل المثال، في “شِبه حياة”، نجد الكثير من السرد: “والكون بيفَتَّح حواديته… واليوم بيرتِّب أفكاره… ودواير دايرة ونحسبها، نلاقينا ف نقطة مابدأنا”.
 هذا الوصف الطويل للحزن الدوري يؤكد الفكرة بشكل مباشر لكنه لا يضيف صوراً جديدة ترفع القصيدة من التدوين إلى الإدهاش، مما يجعل الإطالة (الملاحظة 4) تؤدي إلى تقليل الكثافة (الملاحظة 1).
​2. التنافر في النبرة والعمومية العاطفية (دمج النقطتين 2 و 3)
​تتجلى مشكلة الوحدة المزاجية عندما نقارن بين القصائد، وتتفاقم عندما تتداخل المشاعر العامة مع هذا التنافر.
​أ. القفز الحاد في النبرة (Tonal Shift):
​الديوان يقدم قفزات مزاجية مفاجئة تشبه التنقل بين محطتين إذاعيتين متباعدتين جداً:
​نبرة النشوة والرقة: كما في قصيدة “قصاد عينيك” التي تعبر عن رغبة حارة في الرقص والاحتفال بالحب: “طب تصدق؟ نفسي أرقص، نفسي أسهر، نفسي أغني، نفسي أتعشى الليلة دى قصاد عينيك”.
​نبرة الاحتجاج والوجع الكوني: وبعد صفحتين تقريباً، نجد قصائد الانفجار السياسي والأخلاقي مثل “كل الخانات” التي تتناول قضايا الظلم والفقر واستلاب الحقائق، أو “الله أكبر…الله أكبر” التي هي صرخة مباشرة ضد العجز والركون: “الله أكبر ع اللي بيدوس ع البراءة… علي أُمة رضيت بالخرس”.
​هذا التناقض الحاد، دون نصوص جسرية تمهد للانتقال من الذاتي إلى الكوني، يكسر وحدة الديوان ويجعله يبدو مجموعة من المشاعر المتضادة غير المنسجمة في إطار واحد.
​ب. الميل إلى التعبير العاطفي العام (Generality):
​على الرغم من نجاحها في خلق صور فريدة لعلاقتها بالشعر (كعصا موسى)، فإن الشاعرة لا تحافظ على نفس الابتكار في قصائد الغزل والشوق.
 هنا، تسود التعابير المستهلكة أو الشائعة في شعر العامية الحديث، مما يضعف فرادة التجربة.
​في قصيدة “٢٠٠ إشعار”، نجد الوجع العاطفي يُصاغ عبر صور تقليدية نسبياً: “أقول فى حاجة نقصانى وتبقى عينيك”، أو “يسلمنى الهوى لعينيك… فألمحنى ف تفاصيلك، راسمنى بورتريه عمرك”.
​في قصيدة “وعهد الله”، تستخدم عبارات مثل: “طب وعهد الله كأني تايهة وف قربك لاقتني”، وهي تعابير صادقة في القلب لكنها لا تقدم إضافة فنية أو صورة جديدة للقارئ الذي اعتاد على كثافة صور الشاعرة في نصوصها الأخرى.
 هذا الميل للعمومية يقلل من القيمة الفنية لبعض النصوص الغزلية.
​خلاصة الإخفاقات: 
التحرير الفني المفتقد
​يمكن القول إن ديوان “هروب إضطراري” يعاني من غياب صوت تحريري موحّد يضمن أن كل قصيدة تحمل نفس البصمة الفنية العميقة. 
كان من الممكن للديوان أن يصبح أكثر قوة وتماسكاً لو تم:
​تقطير النصوص الطويلة المائلة للتقريرية (مثل “شِبه حياة”) للوصول إلى أعلى كثافة ممكنة.
​تنويع الصور في نصوص الشوق، والابتعاد عن التعبير المباشر والعبارات الشائعة.
​ترتيب وتنويع النبرة (Tonal Arrangement) بحيث تكون هناك جسور منطقية بين قصائد الحب والاحتجاج، لتكوين رحلة أكثر سلاسة للقارئ بدلاً من الصدمة المزاجية.
​خاتمة رؤيتي النقدية: 
صوت ولاء البركاوي المميز
​ديوان “هروب إضطراري” ليس مجرد مجموعة من القصائد، بل هو دليل إرشادي لكيفية النجاة الروحية في زمن الضعف. 
تنجح الشاعرة ولاء البركاوي في تحقيق ما وعد به العنوان والإهداء، عبر توفير مساحة شعرية آمنة للقارئ. 
يتجلى تميزها في:
​العمق الفلسفي: تقديم رؤية مفاهيمية للشعر تتجاوز التعبير العادي، لتجعله محوراً للوجود.
​الصدق العاطفي: تعريتها للمشاعر المتناقضة (الحب المبهج والخوف الوجودي) بجرأة.
​الالتزام الاجتماعي: عدم فصل الذات عن محيطها، بل الانخراط في نقد الظلم والفساد بصوتٍ عالٍ لا يخشى المواجهة.
​إن ولاء البركاوي بصوتها الواثق ولغتها الساحرة، تؤكد مكانتها كواحدة من الأصوات المهمة في شعر العامية، صوت قادر على تحويل الهروب الاضطراري إلى انتصار فني خالص.
​مقترحات للمتابعة:
هذا الديوان يفتح الباب أمام عدة قراءات متعمقة، يمكننا الغوص فيها:
1-​تحليل العلاقة بين الشاعرة كـ”مبدعة” ومدينة “القناطر الخيرية” وأثر المكان في تكوين صوتها الشعري.
2-​مقارنة رؤية الشاعرة للشعر في “هروب إضطراري” برؤيتها في دواوينها السابقة.
3-​تحليل الأبعاد البلاغية والجمالية لقصائد الحب مقابل قصائد النقد الاجتماعي في الديوان.


حسن غريب
ناقد روائي شاعر