الثلاثاء 14 أغسطس 2018 الساعة 10:36 ص

زواج القاصرات بين العادات المجحفة و الجهل المدقع

الرئيسية / مقالات والابداع / زواج القاصرات بين العادات المجحفة و الجهل المدقع

بقلم – حياة الحفيان ” تونس”:

تشهد مراحل حياتنا مفارقات عدة تجمع بين الإختيار والإجبار وبين هذا وذاك يقف الإنسان إما مسيرا فيكون راضخا لعادات وتقاليد بالية لا نفع منها والتي ما ينفك ينتصر لها تحت راية “واجبنا الأول هو الحفاظ على عاداتنا التي ورثناها عن أجدادنا” وإما أن يكون مخيرا فيقود نفسه إلى ذروة التساؤل في مدى صحة تلك العادات ومن ثم التمرد عليها قصد الإصلاح والارتقاء بالنفس وبالمجتمع معا،
ولعل من أبرز هذه المفارقات هي ان نتحدث اليوم عن الطفلة الزوجة والطفلة الأم والطفلة المطلقة والطفلة الأرملة
•تعريف الطفل أو القاصر :
أ/ حسب القانون الدولي: هو كل شخص دون سن الثامنة عشر
ب/ حسب االشرع: هو شخص لم يصل بعد إلى سن البلوغ (الحيض عند الفتيات)
غير أن الطفل في واقعنا العربي سرعان ما يتم تجريده من طفولته وحرمانه من عيش شتى تفاصيلها من لعب وتعليم كبقية أقرانه، فيتم خرق تلك البراءة ووضع حد مبكر لتلك الطفولة وذلك عبر تزويج البنت دون السن القانونية للزواج وهو الثامنة عشرة ولهذا الخرق المجحف للطفولة وللقانون الدولي أسباب عديدة سنحاول تلخيصها في ثلاث نقاط أساسية
١- العادات والتقاليد:
فأغلب الأباء الذين زوجوا بناتهم وهن لايزلن أطفالا أكدوا أن تزويج البنت في سن مبكرة هو عادة أصيلة لديهم توارثوها عن أبائهم والتي سوف يتوارثها منهم أبناؤهم وهذا ما نسميه بتوارث العادات والتقاليد دون البحث في مدى خطورتها وإنما العمل بها كما هي وكأنها شيء مقدس لا جدال فيه
٢-الفقر:
قد تعاني الأسرة فقرا مدقعا يجعلها غير قادرة على الاهتمام بطفلها والتكفل بجميع مصاريفه من اكل ولبس وتعليم فتلجأ بالتالي إلى تزويج بناتها في سن الطفولة كحل للتخلص منهن وبذلك تصبح البنت ليست سوى عبئ ثقيل وجب التخلص منه وإن كان ذلك على حساب نفسيتها وصحتها وحتى براءتها كطفلة مقابل مبلغ مالي يحدده والد الطفلة
٣/الجهل:
يعد الجهل من أبرز الأسباب التي تتجلبب وراء زواج القاصرات، فالعائلات اللواتي زوجن بناتهن دون السن القانونية يؤكدن بأن الزواج عفة وستر للفتاة وأنه لمن العار ارتياد الفتاة للمدرسة وخاصة مخالطة الأولاد واللعب معهم، ولتجنب مثل هذا العار وجب علينا حماية بناتنا وذلك عبر تزويجهن،
وهنا نعود مجددا للنظرة الدونية للأنثى التي وللأسف لازالت تسكن عقولا كثيرة داخل مجتمعاتنا فالبنت لازالت تمثل بالنسبة لهم مصدرا لجلب العار والفضيحة وبالتالي توجب على الاب تزويجها في سن مبكرة جدا وذلك لحفظ عفتها وكرامة عائلتها دون الوقوف عند ما يحمله هذا الزواج من نتائج وخيمة تتحملها الطفلة لوحدها صحيا ونفسيا،
فصحيا تحصل اضرار كثيرة في اجسام الفتيات خاصة أثناء الحمل والولادة، وذلك يعود إلى ضعف جسم الفتاة وعدم اكتماله لتحمل مشاق الحمل الولادة و كثيرا ما يؤدي هذا إلى حصول وفاة أثناء الولادة،
وقد تحصل الوفاة في اول يوم زواج وذلك عبر حصول نزيف داخلي وهذا حال روان الفتاة اليمنية التي قام والدها بتزويجها في سن الثامنة فقط، والتي توفيت ليلة عرسها بعد تعرضها لنزيف داخلي إثر مضاجعة زوجها لها والذي يبلغ من العمر اربعين سنة، نعم ٨ سنوات من الطفولة مقابل ٤٠ سنة من الجهل كانت الدماء وحدها شاهدة على فضاعة هذا الموقف، فهكذا رحلت روان وغيرها كثيرات ذهبن ضحايا لمجتمع تجرع الجهل كؤوسا ثم أوصد الباب على نفسه،
اما نفسيا فتشعر الفتاة بالحزن الشديد وذلك لأنه سوف يتم إبعادها عن عائلتها وخاصة اخوتها لتجد نفسها بين يدي رجل غريب في سن والدها وربما أكبر فينتابها الخوف وصولا إلى الشعور بالإكتئاب والإحباط خاصة بعد أن يتم الاعتداء عليها جنسيا باستعمال العنف والقوة، فتجد الطفلة نفسها فريسة في السرير وخادمة في المنزل، وهذا ما أكدته نجود علي التي تقدمت بطلب الطلاق من زوجها في سن العاشرة حيث أكدت انه حينما حاول زوجها الإعتداء عليها بالقوة هربت منه فاستدعى أمه واخته اللتين امسكتا بها حتى اغمي عليها،
فكل هذا العنف الجسدي والنفسي والأخلاقي الذي يمارس بحق بناتنا هو مسؤولية العائلة والمجتمع المحلي والدولي على حد السواء فندى الأهدل الطفلة التي هربت من عائلتها بعد أن قررت تزويجها تركت رسائل موجعة لكل العالم عبر فيديو عرض على إحدى شاشات التلفزيون حيث قالت: “إيش البراءة هذي مفيش حياء، مفيش تعليم، مفيش في قلبهم رحمة، يرضيكم زي انا يزوجوني؟!” ولعل من أكثر الكلمات وجعا حين قالت: “قتلوا أحلامنا قتلوا كل شي فينا هذي مش تربية هذي إجرام إجرام”
هكذا خاطبت ندى العالم، خاطبته بلهجة طفولتها التي أرادوا سرقتها ودفنها داخل فستان ابيض غير أن حبها للمدرسة وللعب وللطفولة على حد السواء جعلها تتمرد على واقع طغت عليه الرجعية فكان الجهل مفتاحه وزواج القاصرات خلاصه،
ولا توجد هذه الظاهرة في اليمن فقط بل توجد كذلك كثيرا في أرياف مصر والسودان وتسجل هذه الدول الثلاث اعلى نسب في زواج الأطفال رغم تعديل مصر لقانون الطفل في سنة ٢٠٠٨ لرفع سن الزواج من ١٦ إلى ١٨، فإن الظاهرة لازالت منتشرة وبشدة في القرى حيث يتم تزويج الطفلة بحضور مأذون شرعي لكن دون توثيق الزواج في المحكمة الا عند بلوغ السن القانونية وكثيرا ما يصعب توثيق هذا الزواج في حال وفاة الزوج مما يجعل الطفلة تنسب مولودها إلى والدها وهذا يعود إلى غياب الرقابة الكافية داخل الأرياف والمناطق النائية،
فالكل يجمع على أن تزويج الأطفال هو جريمة بشعة للغاية فما بالك اذا كانت الدولة هي الراعية الأساسية لهذه الجريمة حيث تفاجأت في بحثي حول زواج القاصرات ان السن القانوني للزواج في السودان حسب قانون الاحوال الشخصية ، المادة ٤٠ هو ١٠ سنوات، فأشجان طفلة سودانية تزوجت في سن الخامسة وتم إبطال زواجها في سن الثامنة، وهذا يعود إلى تغافل الدولة التي تدعم زواج الأطفال دعما قانونيا فأي مستقبل هذا ينتظر أطفال السودان؟!
ويعود هذا التهاون في التعامل مع زواج القاصرات إلى ضعف التعليم ذلك أن هذا الأخير هو السلاح الوحيد لمحاربة الجهل والتخلف الذي يترصد بمستقبل و طموح أطفالنا، كما يعود إلى عدم جدية السلطات المحلية في التعامل مع هذا الموضوع تعاملا جديا من شأنه أن يحد من هذه الظاهرة وخاصة تكثيف الرقابة على الأرياف التي تبلغ نسبة زواج القاصرات فيها٨٢%، بالإضافة إلى ضرورة تفعيل قوانين حماية الطفل وفرض عقوبات على الدول التي تقوم بخرق هذه القوانين والإقرار بأن زواج القاصرات هو جريمة من الصنف الأول،

وبالتالي فإن الأطفال خلقوا ليلعبوا ويتعلموا وليس ليتزوجوا، وواجبنا الأخلاقي والإنساني هو الدفاع عن هذا الحق دفاعا جديا مشرفا

قد يعجبك أيضا‎

شاهد أيضاً

ضرورة إشراك المعلم في تطوير التعليم

بقلم – خالد الخضري رئيس اتحاد معلمي مصر لا نهوض بالتعليم ولا تطوير له إلا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.