مصر البلد الاخبارية
جريدة - راديو - تليفزيون
رئيس مجلس الإدارة: السيد حمدي   رئيس التحرير: كمال سعد
رئيس التحرير التنفيذي: خالد عامر

محمد حسن حمادة يكتب حصريا لمصر البلد: رمضان زمان في طنان

كان لرمضان في شارع القصبة بطنان مذاق خاص وطقوس خاصة، فهنا رمضان الحقيقي في منطقة الجامع الكبير وما حولها نبض طنان وقلبها وروحها، وسرها وموطن أسرارها، حيث عبق التاريخ والعراقة والأصالة، والروحانيات والسوق والزحام و(أفران الكنافة والقطائف) وألواح الثلج وعصير القصب، ومئذنة الجامع الكبير التي تسري بالقرآن فتحلق معها القلوب إلي عنان السماء.

من منتصف شهر شعبان كنا نتسابق في تعليق الزينة التي كنا نصنعها بأيدينا، فمنا من كان يساهم (بالعجين) والبعض الآخر بالورق ومنا من يتبرع بالمقص، كانت المعضلة الكبري التي واجهتنا عدم قدرتنا علي صناعة الفانوس الخشبي الكبير الذي سيتوسط الشارع، فتفتق ذهننا بسرقة الفانوس الخشبي من الشارع المقابل لنا  حتي نرد الصاع صاعين لأطفال الشارع المقابل الذين سرقوا زينتنا العام الفائت،  فانتظرنا حتي نامت العيون وهدأت الخطوات، حملنا أسلحتنا وكانت عبارة عن سعف الجريد، نجحت حملتنا لكن لم يكتف الأقران بسرقة الفانوس الخشبي فقط بل سرقوا أيضا الزينة وتعجلوا بتعليق الفانوس وخالفوا الاتفاق ولم يغيروا ملامح الفانوس والأدهي والأمر أنهم علقوا الزينة المسروقة أيضا! وماأن تكشفت ملامح النهار الجديد حتي تم اكتشاف الجريمة حيث جمع أطفال الشارع المقابل بعضهم البعض وبنفس الطريقة استردوا فانوسهم وزينتهم وعند ظفرهم بمتاعهم وقبل أن يخرجوا من الشارع جميعهم بصوت واحد وكأنهم كورال موسيقي (حرامية الزينة أهم) (حرامية الزينة أهم) (العيال زفونا) (ياولاد إل…) كانت (الفضيحة بجلاجل) ولم يستطع أحدنا أن ينبث ببنت شفة، لم تواتني الشجاعة لشهور عديدة عبور شارعهم بعد هذا الحادث وعندما كنا نلتقي بأحد أفراد هذا الشارع كنت أتواري خجلا من هذه الجريمة النكراء وغيرها وغيرها من حواديت رمضان وحكايات الطفولة البريئة.

وفي ليلة الرؤية وما أدراك ماليلة الرؤية التي كان يخفق معها القلب ويضطرب وتحديدا لحظة إعلان فضيلة مفتي الديار المصرية: بأن اليوم هو المتمم لشهر شعبان وغدا اليوم الأول من شهر رمضان المبارك”. فتعلن طنان عن زينتها وزخرفها وترتدي أجمل حلة وكأنها عروس في ليلة الزفاف، فنشعر بروائح ونفحات وتجليات الشهر الكريم.

بعد العصر مباشرة كنت أتوجه إلي مركز شباب طنان لمتابعة الدورة الرمضانية التي كانت تنتهي قبيل أذان المغرب بدقائق كنت أشعر أن طنان كلها شبابا وشيوخا مجتمعون في مركز الشباب، كنت من المحظوظين الذين شاهدوا جيل طنان العظيم الأكثر موهبة والأقل حظا فبعضهم كان يستحق اللعب في الدوري الممتاز واللعب في أكبر الأندية المصرية، ولكن لم يمنحهم القدر هذه الفرصة، وعقب المباراة أعود إلي البيت مسرعا فأتسمر أمام التلفاز لنسمع التواشيح والابتهالات بصوت النقشبندي ثم القرآن الكريم بصوت الشيخ محمد رفعت، وما أن يبدأ بالتلاوة العطرة بصوته العذب الفذ الشجي حتي تطلق أمي النفير وتعلن التعبئة العامة وتقوم برص الأطباق وجلب الطعام علي (الطبلية) وعندما يختم الشيخ محمد رفعت تلاوته ويقول (صدق الله العظيم) ننتظر بلهفة الجملة الشهيرة التي كان ومازال لها وقع السحر في قلوبنا (مدفع الإفطار اضرب) بعدها نخشع للأذان بصوت الشيخ محمد رفعت وسرعان ما نملأ بطوننا بالماء والتمر هندي وعينات من أطايب الطعام لنهرول إلي الشارع ومعنا (البمب والصواريخ) والفوانيس لنلهو مع أصدقاء العمر ونغني أغنية (وحوي ياوحوي) و(حلو يا حلو) فنثير الصخب والضجيج في شارع القصبة الذي كان كخلية نحل مزدحم بالناس مثيرا للحماسة ومفعما بالحركة والنشاط والحيوية والبهجة.

 كان المسحراتي بالنسبة لي هو بطل هذا الشهر الفضيل بلامنازع، شخصية أسطورية قادمة من عالم الحواديت وتحديدا عالم ألف ليلة وليلة، كنت أترقب ظهوره، وعندما كان ينطق باسمي (يامحمد قوم اتسحر) أصاب بالقشعريرة، وكأنه منحني أعلي الأوسمة وأغلي النياشين.

تربينا أنا وكل أبناء جيلي علي حلقات الإمام الشعراوي، وأغنية (رمضان جانا) للعملاق محمد عبد المطلب فبمجرد سماعها يهتز قلبي وأدخل في أجواء رمضان، وفوازير (عمو فؤاد) وفوازير (نيللي وشيريهان) و(فطوطة) و(ألف ليلة وليلة) و(الكاميرا الخفية) لإبراهيم نصر و(بوجي وطمطم) وشخصية عم (شكشك) الشهيرة و(المسحراتي) بصوت وألحان سيد مكاوي وأشعار فؤاد حداد، و(سلاحف النينجا) وبرنامج (حوار صريح) لمني الحسيني وبرنامج (كلام من دهب) لطارق علام وبرنامج (بدون كلام) لحسن مصطفي، وفي نهاية شهر رمضان تقوم الفنانة شريفة فاضل بأكبر عملية اغتيال نفسي ومعنوي للشهر الفضيل ولنفوسنا بأغنية (تم البدر بدري) فهي بمثابة تأشيرة وداع رسمية وإذن بالاستئذان والمغادرة لنودع (لمة العيلة)  ونودع أعز وأغلي الأحباب ونحن في منتهي الحزن والأسي علي مفارقة أيام الرحمة والغفران والعتق من النار،كان هذا رمضاننا.

أما رمضان الآن فأصبح (أون لاين) مجرد بوستات تهاني ومعايدات علي (الفيس بوك) غائب الروح خالي الدسم بنكهة هذه الأيام، أشبه بوجبة (دليفري) بلا طعم أو لون أو رائحة نحاول أن نتلمسه في عيون الصغار ونفتش عنه في دفتر الذكريات القديمة التي مازالت تعيش فينا ونعيش فيها فنمسك بتلابيب أي ملمح قديم حتي نسترجع بقايا وأطلال مافات لنرمم حطام القلوب بالعزف علي أوتار لحن قديم تتجدد أفراحه وجراحه بقدوم هلال رمضان وذكرياته التي تثير الشجون والحنين إلي الماضي، أهلا رمضان.