مقالات

محمد حسن حمادة يكتب: جيل ليالي الحلمية ورأفت الهجان وجيل محمد رمضان

كان أبي حفظه الله ومازال عندما يسمع تتر ليالي الحلمية يتوقف كثيرا وخاصة عند كوبليه( متسرسبيش ياسنينا من بين إيدينا ولاتنتهيش ده إحنا يادوب ابتدينا واللي له أول بكرة حايبان له آخر وبكرة تفرج مهما ضاقت علينا) كنت حدثا صغيرا لم أستوعب المسلسل بصورة كاملة، ولم أهضم جمل العملاق الشاعر الكبير العم سيد حجاب ولحن المتميز ميشيل المصري وغناء الأسطورة الغنائية محمد الحلو.

وعندما نضجت استوعبت إصرار أبي وإلحاحه علينا لمشاهدة مسلسل ليالي الحلمية وملحمة أسامة أنور عكاشة ومخرج الروائع إسماعيل عبدالحافظ، هذا المسلسل الذي يرصد الحقبة الناصرية مالها وما عليها وما بعدها وتوغل أسامة أنور عكاشة في الحارة المصرية بعراقتها وأصالتها ومتناقضاتها وإلقاءه الضوء علي نماذج شعبية حية في الحارة المصرية كالمعلم زينهم السماحي، أما عبقرية أسامة أنور عكاشة الحقيقية في المسلسل فظهرت عندما عالج صراع الطبقات وخاصة بين الطبقة الأرستقراطية وطبقة الفلاحين ونجاح القدير صلاح السعدني في تجسيد شخصية العمدة أو الباشا سليمان غانم الذي أعاد لنا روائح صلاح منصور في فيلم الزوجة الثانية، وبراعة يحي الفخراني في تجسيد شخصية سليم باشا البدري، وإشارته للطبقة الوسطي طبقة العمال المتمثلة في الأسطوات زكريا وطأطأ وشاهين، ومن فرط واقعية العمل وصل بي الأمر وحتي وقت قريب عندما كنت أمر علي الحلمية لزيارة جدي وجدتي رحمهما الله وأخوالي بالقلعة كنت أبحث عن سليم البدري وسليمان غانم وكل أبطال الحلمية، كنت أبحث في وجوه أهالي الحلمية عن تاريخ مصر الحديث والمعاصر كان يملؤني الفخار فأنا أمر علي بقعة من التاريخ بقعة ولدت فيها ليالي الحلمية، وإذا كان الأديب العالمي نجيب محفوظ أول من اقتحم الحارة المصرية فإن أسامة أنور عكاشة أول من توغل فيها.

وبالرغم من أن ليالي الحلمية محفورة في قلبي وعقلي كوشم غائر يصعب إزالته إلا أن عشقي الأول كان لمسلسل رأفت الهجان فإلي الآن ماأن ألمحه يمر أمامي عبر أي قناة فأتحجر أمام الشاشة كطفل صغير وجد ضالته، ولاأغير القناة فهذا المسلسل هو عشقي الأول أري فيه مصر أري فيه بطولة حقيقية لشاب لبي نداء وطنه عندما دعته مصر فقال قولته الشهيرة( أنا رقبتي سدادة يامحسن بيه ) دون أن أي حسابات وهو يدرك أن حبل المشنقة سيتدلي أمام رقبته في صحوه وأحلامه.

السيناريست صالح مرسي والمخرج الكبير يحي العلمي وأبطال المسلسل وعلي رأسهم الفذ محمود عبدالعزيز رحمهم الله صورا لنا ملحمة بطولية مخابراتية لجهاز المخابرات المصري في واحدة من أنجح العمليات الجاسوسية في العالم، والمدهش أن جهاز المخابرات المصري كان وقتها في طور التأسيس.

هذا ماتربينا عليه وتربي عليه جيلي، هذا هو آخر زمن الفن الجميل، أما الآن فنحن في زمن ( النمبر وان ) زمن المسخ وخدش الحياء والعري وقمصان النوم، والألفاظ الشاذة البزيئة، في زمن البرنو والمشاهد الإباحية والجنسية، التي توغلت في الدراما المصرية، وقتلت مع سبق الإصرار والترصد أجيالا وأجيالا، لذلك تجد الجيل الحالي مشوها مشوشا ليس له هوية فاقد للبوصلة وللأهلية وللاتجاه، لايشاهد الدراما إلا من باب الضحك والتسلية، ولم يتعلم أن الفن الحقيقي الأصيل يساعد في تهذيب الأمم وينقي الأحاسيس والمشاعر وأنه قوة ناعمة تعمل كشريان حيوي لضخ روح الحياة في الأمم كما أنه وقت الأزمات والمحن يكون هو أكسير الحياة وسلاح الدفاع الأول عن هوية الأمة ونهضتها من جديد وخروجها من كبوتها، وأن الفن الراقي هو أحد مقاييس الأمم والحضارة في العصر الحالي.

احصائيات كورونا في مصر اليوم
11

الوفيات الجديدة

الحالات السلبية

177

الحالات الجديدة

6166

اجمالي اعداد الوفيات

98624

عدد حالات الشفاء

106060

اجمالي اعداد المصابين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى