مقالات

كورونا وصراع البترول

بقلم – الدكتور على عبد النبى:

الأوبئة هى أحد مصادر التهديدات التى تتعرض لها البشرية، فقد عانت البشرية من انتشار أنواع مختلفة من الأوبئة على مر العصور. ويكفى أن نذكر مثالا واحدا فقط يبين مدى ضراوة الفيروسات، فبين عامى 1347 و 1351 ميلادية ظهر وباء الطاعون فى الصين، وانتشر فى العالم، وتسبب فى وفاة ما يقرب من 200 مليون شخص.

الاستعداد العام للوقاية من انتشار الأوبئة، ومواجهة المخاطر الصحية لهذه الأوبئة فى المجتمعات البشرية، هى من ضمن خطط الطوارئ وخطط إدارة الأزمات التى توضع فى اعتبار الدول. وهناك خطط استراتيجية للاستعداد العام وإدارة مخاطر الأوبئة. ويلزم ذلك، التحضير والاستعداد لمواجة انتشار الوباء. كما أن هناك دورا للجمعيات الأهلية الوطنية داخل الدول، وكذا هناك دور هام لمنظمة الصحة العالمية فى رصد الأوضاع والاتجاهات الصحية الإقليمية والعالمية، وتجميع المعلومات عن جميع الأمراض والنظم الصحية.

بعيدا عن الملابسات والأسباب ومن المنتسبب فى ظهور فيروس كورونا “كوفيد-19″، وانتشاره السريع فى أكثر من 184 دولة. نجد أننا أمام ظاهرة خلفت من وراء تفشيها بين البشرية حتى الآن أكثر من 165 ألف حالة وفاة على المستوى العالمى.

فيروس كورونا دمر اقتصاد العالم، حيث انتشر الوباء بسرعة جدا مثل انتشار النار فى الهشيم، وأكيد هناك جوانب غير معلنة تسبب فيها انتشار فيروس كورونا، ولم تعلنها الدول الكبار مثل أمريكا وروسيا والصين والدول الأوروبية خوفا على أمنها القومى. ولكن ما شاهدناه هو تخبط دول العالم خلال فترة الشهور الخمسة الماضية فى مواجهة فيروس كورونا المستجد.

والذى شاهدناه أيضا من جراء انتشار فيروس كورونا هو انخفاض الطلب على البترول بنسبة 30%، فقد كانت الدول المنتجة للبترول تنتج 100 مليون برميل يوميا، وأصبحت بعد كورونا تنتج 70 مليون برميل. هذا الانخفاض جاء نتيجة توقف معظم الشركات والمصانع، وتوقف حركة الطيران العالمية، وتعطل التجارة العالمية بنسبة كبيرة، والتوقف الشبه كامل للحياة.

اسعار البترول فى 30 ديسمبر 2019 كانت 64 دولار للبرميل، ونتيجة انتشار وباء كورونا انهارت اسعار البترول، ووصل سعر البرميل إلى 36 دولار يوم 6 مارس 2020. بقيادة السعودية، قررت منظمة “أوبك بلس” تخفيض إنتاج البترول لمواجهة الإنهيار فى اسعار البترول، جميع الأعضاء وافقوا ما عدا روسيا. روسيا كان لها مبرر، وهو أنه لابد من أن تلتزم أيضا الشركات الأمريكية المنتجة للبترول الصخرى بتخفيض إنتاجها.

ارتفاع أسعار البترول لأكثر من 60 دولار للبرميل هى فى صالح شركات البترول الصخرى الأمريكى. انتعشت صناعة البترول الصخرى فى أمريكا، وأصبحت أمريكا هى أكبر منتج للبترول فى العالم بقيمة 13 مليون برميل يوميا. وهو ما حفز “ترامب الأمريكى” فى مايو 2019 على إعلان سياسة أمريكا الجديدة فى الطاقة وهى سياسة “السيادة”. هذه السياسة تهدف إلى السيطرة على سوق البترول والغاز فى العالم، ومحاصرة روسيا ومنعها من تصدير الغاز لدول أوروبا، والذى من شأنه أن يحد من توسع النفوذ الروسى السياسى فى أوروبا.

فى ظل ارتفاع أسعار البترول، تكون الفرص مواتية لشركات البترول الصخرى الأمريكية فى التوسع، فهناك نشأت حوالى 9 الآف شركة ما بين شركات كبيرة وصغيرة تعمل فى مجال البترول الصخرى. وفى فترة الانتعاش بدأت الشركات العملاقة فى اقتراض مبالغ ضخمة للتوسع فى أعمالها، وذلك على أمل أن تظل أسعار البترول مرتفعة، ويحققوا أرباحا لتسديد هذه القروض. لكن هذه الشركات تعلم أنها تجازف وتخاطر بمستقبلها، فهى لا تضمن استمرار ارتفاع أسعار البترول.

الصين أكبر مستورد للبترول فى العالم حوالى 14 مليون برميل يومياً.  ومع انتشار وباء كورونا تسبب فى تعطيل الاقتصاد الصينى، وهو ثانى أكبر اقتصاد فى العالم، وهو ما أدى إلى حدوث شلل فى الاقتصاد العالمى، وأدى إلى انخفاض الطلب على البترول، وبالتالى أدى إلى انخفاض أسعار البترول.

مع انخفاض أسعار البترول، بدأت تظهر على السطح حرب تكسير عظام بين روسيا وأمريكا. فقد كانت فرصة ذهبية لروسيا لترد الصاع صاعين لأمريكا. فقد عانت روسيا من العقوبات التى فرضتها عليها أمريكا، بسبب ضمها لشبه جزيرة القرم عام 2014، وكذا بسبب دخول روسيا سوريا لحماية نظام بشار الأسد عام 2015، واتهام روسيا بتدخلها فى الإنتخابات الأمريكية عام 2016.

لكن كان هناك سبب آخر على درجة عالية من الأهمية، وهو أن روسيا أصبحت محتكرة لتصدير الغاز لدول الإتحاد الأوروبى. فهى تمد أوروبا سنويا بكمية من الغاز تقدر بـ “6846.6” مليار قدم مكعب، فهى توفر ما مقداره 40% من الغاز الطبيعى الذى تحتاجه أوروبا سنويا. وهذا من شأنه أن يساعد روسيا على زيادة نفوذها الاقتصادى والجغرافى السياسى فى أوروبا، وهو ما تتمناه روسيا لتخفيض حجم المخاطر الاقتصادية والعسكرية التي تهدد أمن روسيا القومى. وكانت أمريكا تخطط لإيجاد غاز بديل للغاز الروسى يتم تصديره إلى أوروبا. وبذلك قامت أمريكا بفرض عقوبات على الشركات الأجنبية المنفذة لأنابيب إمداد الغاز الروسى إلى القارة الأوروبية، حتى يتوقف تنفيذ هذه الأنابيب.

مع انهيار أسعار البترول نتيجة انتشار وباء كورونا، تحقق الكابوس الذى كانت لا تتمناه شركات البترول الصخرى الأمريكية، فشركات إنتاج البترول الصخرى الأمريكية عليها ديون بأكثر من 85 مليار دولار، وشركات الخدمات المساعدة لها عليها ديون بأكثر من 120 مليار دولار. ونظرا لعدم مقدرة الشركات على تسديد ديونها، فقد بدأت الشركات فى اعلان إفلاسها، ففى ولاية “داكوتا الشمالية” وهى الولاية رقم 2 فى إنتاج البترول الصخرى، اعلنت أكبر شركة فى هذه الولاية إفلاسها، فقد تخطت ديونها حاجز الـ 2 مليار دولار. ولكى تظل باقى الشركات على قيد الحياة، فهناك عمليات ضخمة تقوم بها باقى الشركات لإعادة هيكلة ديونها، والتى تقدر بمئات المليارات من الدولارات، وطبعا يستلزم ذلك خفض الإنفاق الرأسمالى وتسريح اعداد كبيرة من العمالة.

الآن جاءت الفرصة لروسيا، ورفضت تخفيض الإنتاج بناء على قرارات اجتماع 16مارس 2020  لمنظمة أوبك بلس. فقد ارادت روسيا تدمير صناعة البترول الأمريكية، ومنع أمريكا من تنفيذ سياسة “السيادة فى الطاقة”. حدث خلاف شديد بين السعودية وبين روسيا، فالسعودية تريد تخفيض إنتاج البترول لإرضاء أمريكا، كما أنها لا تريد الضرر لصناعة البترول الأمريكية ولا لاقتصاد أمريكا، وفى المقابل روسيا تريد العكس.

السعودية قررت معاقبة روسيا، وقررت إغراق السوق بالبترول، وقررت رفع إنتاجها من البترول من 9.6 إلى 12.3 مليون برميل يوميا. كما أعلنت السعودية عن تخفيضات فى سعر برميل البترول للدول التى تعتبر سوقا رئيسيا للبترول الروسى، وصلت إلى 8 دولار للبرميل، بغرض الإضرار بسوق البترول الروسى، ولكى توافق روسيا على قرارات منظمة “أوبك بلس” وتخفض من إنتاجها. فى المقابل دخلت روسيا فى حرب مع السعودية وقررت زيادة إنتاجها من البترول بمقدار 500 ألف برميل يوميا. لو استمرت هذه الحرب، فمن المنتظر أن يصبح سعر البترول بالسالب، بمعنى أن شركات الإنتاج تعطى مقابلا ماديا لمن يريد بترول.

 

إن استمرار انخفاض اسعار البترول عن 35 دولارا للبرميل لفترة طويلة، سيؤدى إلى توقف شركات البترول الصخرى الأمريكية عن العمل، وسوف تعلن إفلاسها نظرا للديون المتراكمة عليها، وبالتالى فإن هناك كثيرا من البنوك الأمريكية سوف تعلن إفلاسها. ولو استمر هذا الوضع فمن المحتمل أن يتم إعلان إشهار إفلاس 50% من الشركات الاقتصادية الأمريكية.

كانت هناك محاولات ضغط مستميتة من أمريكا على السعودية وروسيا لكى يتم الموافقة على تخفيض إنتاج البترول. ففى يوم 6 أبريل 2020 وصل سعر البترول لأقل من 22 دولار للبرميل، بمعنى أن شركات البترول الصخرى الأمريكية قد تلقت ضربة موجعة.

يوم الخميس 9 أبريل 2020 كانت هناك محادثات ماراثونية من قبل منظمة “أوبك بلس” وكان المحرك لهذه المحادثات أمريكا، وانتهت بعد أن تأكدت روسيا من أن أمريكا سوف تخفض من جانبها إنتاجها للبترول من 2-3 مليون برميل يوميا. ووافقت منظمة “أوبك بلس” على خفض إنتاج البترول بما قيمته 10 مليون برميل يوميا، ابتداء من أول مايو 2020 ولمدة شهرين، ثم خفض الإنتاج بواقع 8 مليون برميل يوميا لمدة 6 شهور حتى نهاية شهر ديسمبر 2020. ثم خفض الإنتاج بواقع 6 مليون برميل يوميا، ابتداء من يناير 2021 لمدة 16 شهرا، تنتهى فى أبريل 2022.

خفض إنتاج البترول بواقع 10 مليون برميل يوميا، لن يمنع من استمرار تدهور أسعار البترول، فى المدى القريب، فمن المتوقع أن تصل إلى 30 دولار للبرميل فى نهاية 2020، وهذا ليس فى صالح صناعة البترول الصخرى الأمريكية.

فى 20 أبريل 2020، ولأول مرة فى التاريخ تنهار أسعار البترول الأمريكى لتصبح بالسالب، نحن نعلم أن الأسعار بالسالب تحدث فى الغاز الطبيعى فى أمريكا.

فقد انهارت اسعار بترول خام غرب تكساس للعقود الآجلة فقط، وهى عقود تسليم شهر مايو 2020، بمعنى أنه سيتم تسليم البترول فى شهر مايو. فنتيجة وباء فيروس كورونا أصبحت الحياة فى أمريكا شبه متوقفة، وانخفض الطلب على البترول، وأصبح البترول المنتج لا يجد أماكن لتخزينه. وهوت الأسعار إلى أكثر من 147%، حيث وصل سعر البرميل بالسالب ما مقداره 37.63 دولار تحت الصفر مع إغلاق التعاملات، وهى أكبر وتيرة هبوط منذ  تداول هذه العقود عام 1983.

آلية تداول البترول فى سوق العقود الآجلة هى التى لعبت دوراً كبيراً فى انهيار البترول الأمريكى. والعقود الآجلة تعنى أنك تقوم بشراء البترول فى الوقت الحالى، ولكن التسليم يكون فى المستقبل، فقد يكون التسليم بعد شهر أو شهرين أو ثلاثة أشهر أو أربعة أشهر، وهذه العقود يكون لها تاريخ محدد للتداول، وينتهى التداول تلقائيا بانتهاء صلاحية هذا التاريخ، وما حدث فى تداولات العقود الآجلة للبترول الأمريكى، هو انهيار عقود تسليم شهر مايو المقبل، والتى تنتهى صلاحيتها الثلاثاء 21 أبريل 2020، وهو ما يعنى توقف هذه العقود تلقائيا بانتهاء تداولات الثلاثاء، وتبدأ تداولات عقود شهر يونيو المقبل يوم الأربعاء 22 أبريل 2020 وبأسعار مختلفة، الأمر الذى دفع المتداولين إلى بيع هذه العقود والتخلص منها بشكل سريع.

من أهم أسباب تخلص المتداولين من عقود مايو، هو تفاقم مشكلة تخزين البترول، وامتلاء السعة التخزينية، وهذا يعنى أن المتداولين لن يستطيعوا تخزين البترول عند استحقاق تسليمه.

قبل ارسال المقالة للنشر، أود أن اشير إلى أنه نظرا لما حدث وللحد من تفاقم أزمة أسعار البترول الأمريكى، فقد وافق “ترامب الأمريكى” على شراء 75 مليون برميل بترول واضافتها إلى المخزون الاستراتيجى من البترول، لتخفيف المعروض فى السوق. ومن المفترض أن يكون لهذا القرار تأثير على استقرار الأسعار وعودتها مرة أخرى إلى وضعها الطبيعى.

الأن أصبحت الدول المنتجة للبترول تواجه أسوأ أزمة اقتصادية منذ عقود طويلة، وهى أزمة مزدوجة، فأصبحت تواجه انتشار وباء كورونا فى أراضيها وما يصاحبه من تكاليف مواجهة الوباء، وتوقف شبه كامل لسوق العمل والذى سبب شللا فى الاقتصاد، وكذا فإن هذه الدول تواجه انهيار أسعار البترول العالمية نتيجة انتشار فيروس كورونا، والذى بدوره يؤثر بالسلب على اقتصادها.

يهمنا فى هذا المقام الدول العربية المنتجة للبترول، فدخول هذه الدول فى حالة “ركود اقتصادى”، يعنى بالضرورة أن ملايين العاملين من العمالة المصرية سوف تعود إلى مصر، وهم مصدر دخل هام من العملة الصعبة للدخل القومى، بالإضافة إلى أن نسبة البطالة فى مصر سوف ترتفع.

فاللهم احفظ مصر وشعب مصر،،،

أشكركم وإلى أن نلتقى فى مقالة أخرى لكم منى أجمل وأرق التحيات.

 

 

 

احصائيات كورونا في مصر اليوم
12

الوفيات الجديدة

الحالات السلبية

167

الحالات الجديدة

6211

اجمالي اعداد الوفيات

98981

عدد حالات الشفاء

106707

اجمالي اعداد المصابين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى