أخبار مصر

قصّة قصيرة:اصنعْ الفلكَ بأعيُننا

بقلم – أحمد بوقرّاعة:

“يا ولدي لست أرتضي لك ساعة أنا فيها الآن.جسدا مطروحا ما عاد يريحه فرش وثير أو جردُ حصير.و ما تطبّبٌ لداء يرفعُ أو طبيب لعجزٍ ينفعُ .أراك بعين بها عمشٌ و غبشٌ فأنت لها كظلّ شجرة في شمسٍ من وراء ضباب.و لعلّك مفتقدٌ بعد ذلك صوتي و بصري و متى فارقت روحي ما أودعت فيه فلا تُطبقْ لي جفنا على جفنٍ فلعلّي قد أراك ،و لا تضمّ لي شفة ً إلى شفةٍ فلعلّك سامعٌ منِّي بعض كلمات….
يا ولدي أرى خلاصة الثّمانين :ارْتحالًا في إزارٍ رهيفٍ رخيصٍ لبرودةٍ و رطوبةٍ و ظلام .تركْتُ ما تركَ لي وحْدِي والدي.و زدْتُ فيه طولا و عرضًا .أغادرُ هذه الحياة في إزارٍ لا يقي من نسمة صيف فكيف بثلّاجة باطن الأرض و طينه ،و أتركها بجوفٍ معصورٍ و فارغٍ يُؤْكَلْ و لا يَأْكلُ .أتْرُكُ هذه الدّنيَا بفَرِحٍ و بِهَمٍّ :فَرَحٌ بك أمامي موجُودًا ،و بهمٍّ لِأخٍ لَكَ من غيرٍ أُمِّكَ مفْقودًا ، وكلُّ غائبٍ إِنْ طَالَ دَهْرٌ و كُتِبَ لهُ فَضْلُ عُمْرٍ يعُودُ ، و إنْ مَاتَ فلا بدَّ لهُ من ميقاتٍ و ميعاد.
يا ولدي لا تفْرَحْ بهذه الحياة كثيرًا و تذكَّرْ قد تحزنُ فيها ،و إذا حزنْتَ فاعْرَفْ أَنَّ النَّفْسَ يقْتُلُهَا الفرحُ و يَشْحَذُهَا الألمُ،و لكِنْ جَانبْ ذا بذا فكِلاهُمَا والِدٌ لمولود.و اوّلُ الإنسان صرْخة و آخره حسرة و دمعة و بعد ذلك ما هو إلَّا حديثٌ مُخْتَلَفٌ فيه.
يا ولدي أراكَ تبْتَعدُ عنِّي و أرى خلفكَ ظِلًّا يقتربُ منّي و أرَى نجومًا مشوَّكَةً صفراء تخرُجُ منّي و تكبرُ حمراء كالجمر مُسنّنةً مخيفةً فلعلّهَا أفعالي و صنيعي و أعمالي تسْبِقنِي .إنّهَا مؤلمة مرعِبة يا و…..”
و ما تمّتْ للسان كلمة .و أخلص الولد لوصيّة والده فما شفة إلى شفةٍ ضُمَّتْ ،و ما أطبقتْ عينٌ جُفُونها….
*********************
في الشّمال الغربي للبلاد التونسيّة أراض شاسعة صلاح أهلها في توفير كلّ ما تطحنه الأضراس و تتذوّقه الألسن و
ما يملأ البطون .أراض فعلت فيها الأيادي الخشنة و المعروقة ،و كلّما حنّت السّماء ماجتْ قموحا و شعيرا و معايش كثيرة و فرحًا و رضًى و مسرّةً. ترك الوالد قطعتي أرض متجاورتين. تشرق الشّمس في الأولى وتغرب في الثانية. وفي احداهما مصبّ ماء وأحواض وجداول وسواقي. تختزن هذه إذا شحّ المطر لها ولأختها ما يحيي تربتها ويكثر عطاءها. وكان الوالد يحرث قطعة لترتاح الأخرى وتتخمر سقيا فيطلع من كل ساق من سيقان حبة القمح الواحدة توأم لسنبلة أنثى تبشران بأمومة ولاّدة ورضاّعة وصواّنة. كان يسأل حبة القمح أيّ رحم من ظلمات الأرض يسكنها فيضعها مستلقية على ظهرها يطرّيها الثرى وتستقبل الماء فتحلم بأشعة الشمس الدافئة. وكان في كل ذلك مستعينا بولده الأصغر يعلّمه الحكمة والكتاب يقول: *اصبر تر واعمل بعلم تفلح*فسمّي الولد بذلك: *صابر*.
مازالت الأحواض ملأى بالرغم من أن الشّمس لم تغب ساعة ذلك العام. النّهار يختزن حرّه للّيل واللّيل يستجمع وهجه للنهار والشّمس تسبق الفجر فكأنّ الظّلام ساعة أو بعضها. واستنجد الناس بإمامي جامعي * الزيتونة *و *عقبة* وبكل مؤذّن صلاة فجر ومقيمها فزاد الله الحر ضعفا. وسعوا الى أثرياء القوم يستنجدونهم لعلّ أيديهم إذا رفعت الى السّماء عادت بغيث فعادت بمارج من نار، وتجمعت النّسوة في المدافن والجبانات يحمن شبه عاريات حول قبر الوليّ الصّالح*سيدي راشد الغنوشي* يسترحمون الله بذكره ويستغيثونه بحسن سيرته وتشقق وجه الأرض تنفخ وهجا كأنما تشققت الأرض عن لهب وسعير فاصفرّت لذكره السّماء ذكرت بأبي لهب. مرّ الخريف ضيفا خفيفا وجرى الشّتاء جريا حثيثا. شتاء حرّه عنيف وجمره حارق مخيف. وخاف الفلاّحون وخاف من ورث الأرض عن أبيه، ولم يكن له دراية والده ولم يكن له ساعداه. نشأ ينظر ويأكل من سواعد أبيه وأخ له أصغر منه. ارث من ساعد قويّ عريض الكفّ غليظ الأصابع لأخر رقيق ناعم الكفّ دقيق الأنامل.
احتار* الرجل *فيما قد يفعل: أيترك الحرث والزّرع ويبيع الحبّ ويأكلهما، أيمنع ماء الأحواض تيبّس الأرض عن جذور الحبّ،
وإن طلعت السّيقان فهل من الماء ما يقيها من الاصفرار والذّبول وان طالت السيقان
فهل تظهر السّنابل إن جفّ حوض و قلّ سقي؟و راح ايّامه يقلّبُ بصره بين السّماء و الأحواض و بين التّربة الجافّة و أمضى لياليه تتلاعب بفكره المخاطرة و المغامرة و المقامرة فيَسْحَبُهُ الحذر إليه و يلقيه الخوف إلى الرّعب .و تذكّر أرضا بقرية مجاورة .واستعاد ذهنه منظر تلك الأرض قبل سنوات : أرض واسعة بُورٌ و بَوَارٌ مُهْمَلة لرجلٍ غَيَّبَهُ الموت تاركًا صَبِيَّيْنِ عاجزيْنِ و أمًّا لهما لا حِيلةَ لها.ورأى تلك الأرض كيف اخضرّت و عبقت ريحها و أعطتْ أُكْلَهَا مرّتين حينَ عملتْ فيهَا يدُ فَلّاح كهلٍ .
فلّاح غريب متنقِّلٌ يُسْتَعَانُ به في استصلاحما وضع فيه الفساد يده.فانتهت به رجلاه واقفا محتارا أمام هذا الفلّاح الغريب في أرضٍ كأنَّ الله حباها دون غيرها بالنّدى و بالرّذاذ الخفيف الدّائم و بسقيا الرّحمة .قامة طويلة هيفاء رقيقة ناعمة أكل الزّمن منها نصف قرن بل يزيد.قامة دقيقة في ثوب أنيق و جميل ،عينها متآكلة فيها غُبْنٌ و حيرة و شقاء ،تقف أمام قامة مُربّعة بارزة العضلات على رأسها مِظَلّة من سعف النّخيل و يصدُّ عن وجهها طرف قماشٍ حرَّ الهجير لتبرز عين حمراء كأنّها خارجة من بكاء ، وإلى جواره شابّان يافعان صقل العمل جسميهما فهما كصخر الصّوان أو أشدُّ صلابة يَسْمَعَان:قال الرجل للفلاّح:
ـ “أنا جارك من قرية قريبة ولي أرض واسعة وفيها أحواض ماء. زرع لي عمّال شطرها السّنة الماضية فكان لي منه حبّ كثير، بعت منه وأكلت وخزنت ما يفي حرثا وزرعا وأريد حرث وزرع التي ارتاحت ولكني خائف متردّد فالسّماء لا تخبر بماء واللّيل دافع حرّه الى النّهار وما أدري لعلّ الأحواض لا تفي ولا تغني فجئتك ملتمسا نصيحة أو راغبا في توليك أمر أرضي وما ترك لي والدي، ولعلّك تعرفها ان لم تكن تعرفني.”
نظر الفلاح في وجه زائره وقال كأنّه يمازحه:
ـ ما رأيت في حياتي ثوبا أنيقا ويدا ناعمة تقبلان في هذا الأمر نصيحة من رجل أغبر.” فأسرّها الزائر في نفسه وابتسم ابتسامة المريض المفجوع. فأردف الفلاّح يقول: «نعم أعرف تلك الأرض وكأني ولدت فيها، وأعرف ترابها وكأن قدمي مازالت تحسّ بوخز شوكها، وكأن يدي مازالت تتلذّذ ملمس خضرتها. أعرف تلك الأرض وكأني تربيت بعين شيخها…”
ورأى الزّائر في المحادثة رغبة الفلاّح في تلك الأرض. فقال له:
ـ لك عليّ عهد أنّي أفي بكلّ شرط والله يعلم أنّي ما أخلفت ان وعدت.”
فقال الفلاّح:
ـ أعرف ذلك ورأيت وأسمع، ولكن أعرف أيضا أنّ دم اللّسان بهتان وأن حديثه شيطان فهو لذلك ـ وحاشاك ـ في كلّ ان وفي كلّ ناحية دوّار. وخير من ذلك مكتوب معلوم ومشهور وعليه أشهاد وعدول. واني اذ أراك صالحا فاني راغب في عملها شرط أن توفر حبوب بذرها والة زرعها وحصادها ونصف أجور عمّالها وعليّ عملها ولك نصف ما تنتج ولي نصفه.
فرضي الزّائر بذلك مرتاحا مطمئنا وجد انفكاكا من حيرة في رجل تطمئنّ لساعده الأرض، الاّ أنّ الفلاّح قد أضاف:
ـ إنّ أهمّ شرط عندي أن أقتسم المنتوج بالكيل الذي أريد فلا ترغمني على كيل أو ميزان أو تحدّني بزمن.”
فاستبشر صاحب الأرض تصوّر الزّرع يموج فقال له:
كل بما شئت بالحفنة أو بالصّاع أو بالكيس وزن بما شئت وما ضرّ زمن وما ثمّة فرق بين ليل أو نهار.”
ورضي كلّ طرف بذلك وأشهدا على ذلك وكتباه. وانصرف كلّ واحد فرحا بما في صدره.
وكادت أمّ الشّابين تبدي غضبا لما سمعت ذلك لولا أنّها قد رأت في عيني معلّم طفليها ألقا غريبا مشعّا فخافت على نورهما كدرا فأسّرت ما كادت تبديه أطفأت ذلك راحة في وجهي ولدين خبرا كثيرا فكر مربّيهما وسكنا فؤاده حتّى صارا دقات قلبه وريح صدره فهما مطمئنان وينتظران خبرا قد يكون خيرا أو خطرا.
لم يترك “الفلاّح “صابر” أرضا كان يعمل فيها منذ سنوات. لم يكن ينظر في وجه سوى وجه الأرض تزداد زينة وعطاء ووجهي الولدين تنبت فيهما عاما بعد عام آيات الرجولة المبكّرة. ورأى فيهما السّواعد كيف يفتلها العمل عضلة فعضلة حتّى صارا شابّين تجاوزا العشرين.
كان إذا اطمأنّ إلى خير في أرضه اصطحب الشّابين إلى أرض زائره .
أيّام الشّتاء تجري و أرضه محرقةٌ .و أهملَ نظرُهُ قطعة أرض واسعة مازالت جذور سنابل القمح متيبّسة فيها .و يمشي حافي القدمين في تربة الأخرى كأنّه يتحسّسُ بهما نبضها .و يجول بصره في امتدادها و في أحواضها فأَمرَ بِسَدِّ منافذ جداولها .أرض بدأت تتشقّق فيتبخَّرُ ثراهَا وتحرقُ الرّيح الحارّة كبدها.و أمر العمّال يجمعون ما تترك الأغنام و المواشي و الأبقار يُلْقَى فيها و يحْرَثُ حرثًا خفيفا فانْبَسَطَتْ تربتها و لانتْ و برئَتْ من خدوشها و جراحها و شقوقها .و كان يدرسُ أيذام الشّتاء ينتظرُ ميقات البذْرِ فيسْبِقَهُ يَجْمَعُ أكوامًا من الصبّار و شجر التين الشوكي و ما يترك في الأسواق من خضر و غلال و كلّ ما يحتفظُ بماء إذا تخمّر و تعفّن تحت التّراب فقطّع و خلّط و غطّى به وجه الأرض ثمّ أعاد الحرث لا يغوص محراث فَرَبَتْ أرضٌ بِمَا حملتْ .و كَبُرَتْ عينُهُ يرى وجهَ الأرض يَرْتَخِي و أحسّ بقدمه تنغرس في التربة إلى الكعبين فعرف منها استعدادها للبذر .
كان صاحب الأرض يراقب كلّ ذلك من بعيد متعجّبا و مستغربا أفعال الفلّاح و الشّابين يساعدهم في ذلك بعض العمّال .و حان البذر فاستبقوا الفجر و صاح الفلّاح في الشّابين :”اِصْنعا الفلكَ بأعيُنِنَاو توكّلا على المحيي و الحيِّ الذي لا يموت”.واتّزنت الخطوات و توافقت الحركات خطوتان و رشُّ حفنة .و ما كادت شمس تتوسّط سماء حتّى احمرّت الأرض حرثا .و سمع صاحب الأرض من الرّجل ما كان يأمر به الشّابين فقال له:
ـ كأنّك والدي إذ يقول كلّما بذر و غرس فتغيّر وجه الفلّاح و لكنّه أعاد ذلك إلى التعب وقال:
ـ نعم قول يتوارثه الفلّاحون ، و لعلّ أباك ما قال ذلك إلّا لشابٍّ واحد، و أقوله لإثنين …أعْنِي أنّك وحيده .رحم الله أباك إذ كان يقول ذلك.
“تذوّقْتُ هذا الفجر قطرة ندى في طرف ورقة فإذا هي مالحة .أتعلمان أيّها الشابّان ما ذلك ؟إنّ ملوحة النّدى علامة على قَطْرٍ لا ينزل و مطرٍ لا يَهْطِل فإعدّا رشّاشات الماء .فإنّ الأرض بما أثريناها فالقةٌ حبَّهَا و مرْضعتهُ إلى حين .و إن رأيتما وجه الأرض بدأ يخْضرُّ فأطعماه رشّا بمقدار فإنّه لا يَيْبَسُ .أطعما الأرض شَرْبَةَ الصّائم الأولى فإنّها أشبه بِهِ واتركاها ترضع حبّها الوليد فهي كالأمّ تعصر أحشاءها لترضع صغيرها . وارقبا النّبت فإنّه كالوليد ينام و يكبر ، فإن رأت الأمّ في وجهه بعض تغيّر حمّمتْهُ و لفّتهُ و سقتْهُ حتّى إذا صار يعرجُ و يدرج زادته تنظيفا و إطعاما و تعهّدَتْهُ عناية تراه يكتمل و يشبُّ و يزدان وانتظرتْ مُتأكّدة أنّه ىُطعم ُ غيره و كذلك نَفْعَلُ أيّها الرّجلان .فإن أطعمنا شبرا من هذه الأرض أطعمنا عشرة أفواه ”
و كذلك فعلوا و ثقلت السّيقان بسنابلها و فرحت البيادر وامتلأت أكياس كثيرة رصّفت فوق بعضها .و نظر الفلّاح و نظر صاحب الأرض كلّ فرح بما في صدره : واحد ينتظر قسمة و رجل يرى جهودا تُثْمِرُ . إنّها الشربة الأولى بعد يوم صوم طويل اشتدّ حرّه و سمط الجلد وهجه.
انتظر صاحب الأرض القسمة سُهُرًا .ما عاد له قمح يأكله أو يبيعه .و العام قحط و ينذر بأشرّ منه و أَفرغت الأحواض ماءها سقت به أرضا جادت بخير كثير و جاء يطلب من الفلّاح ذلك فوجده جالسا متربّعا أمامه كيس من القمح قد فتح ثغره عن جيوب صفراء يأخذ قمحة يُلْقِيهَا على إزارٍ يمينه و قمحة أخرى يلقيها إلى شماله فسأله في ذلك فقال له دون أن يرفع رأسه :
ـ أحصي دموع السّنين أيّها الرّجل ، فاليمين ما كانت من اليمنى ، و ما في شمالي قد جرت من اليسرى ، لعلّي إذا أحصيت حبّها عرفت أيّ عين كانت أقرب إليَّ عطفًا عليَّ.
فاستغرب صاحب الأرض و قال :
ـ أما تتعبُ عيناك تُحْصِيَان ؟
فقال:
ـ لم تتعبا من ذلك لعشرين أو أكثر ،و إن بدا منهما ذلك فسَأُحْصِي في صدري كما كنت أفعلُ .متى أغمضتُ عين اسْتَفَاق صدرٌ و إن نام صدرٌ جَرَتْ عينٌ .
لم يفهم الرّجل شيئا ممّا قال الفلّاح فقال:
ـ و متى القسمة أيّها الفلّاح الصّالح
فقال له:
ـ أنا افْعَلُ .و إن شِئتَ فَعَلْتَ ما افعلُ .لكلِّ زمنٍ عملهُ .و أريد أن تتلذّذ يدي ثمرة عملى لعلّها إذا أطْعَمتْ فمي كانت صحّة و سلامة لجسدي .أيّها الشابّان القويّان اِصْنَعَا الفلْكَ بأعيُنِنَا حفنةً فحفنةَ فقدْ لا يقتربُ شتاء آخر إلّا و قد تمّتْ قسمةٌ .
تعجّب صاحب الأرض ممّا يسمع و كاد يبدي غضبًا و هلعًا و سخطًا و لكنّه أخفى ذلك ليقول :
ـ أتمازحني أم تلعب ، و ما يجيء شتاء إلّا أكلت نصيبي ن فبم أزرع القطعة الأخرى ، فالأحرى أن تكون القسمة كيسا فكيسا ، فذا أعدل و اسرع ، وليفرح كلّ بما فعل و بما أصاب ..
ـ نعم على كلّ إنسان أن يفرح بما فعل و بما أصاب . و بيني و بينك عقد أعمل بما فيه ، وحقيق بك أن تلتزم به.
و أراه العقد فقرأه صاحب الأرض كأن لم يقرأه من قبل فبهت ، و ضجّتْ في سمعه جملة كان والده يردِّدُهَا :” يا ولدي اِصْنَعْ الفلك بأعيننا ” و أغمض عينيه ليغيب و يغرق في ماضي الأيّام :”يا ولدي لا تُغْمِضْ لي عينًا و لا تضُمّ لي شفة إلى شفة لعلّي أراك و أحدّثك …يا ولدي تركْتُ ما ترك لي والدي …يا ولدي لا تأكل إلّا من عمل يديْكَ . كان أخوك يعمل و كنتَ تأكل فَخُنْتَ و خوّنْتَ و سرقتَ و سَرَّقْتَ و أكلْتَ و جوَّعْتَ و تدثَّرْتَ و عرّيْتَ و أقَمْتَ و اطْردتَ و تقرَّبْتَ و باعدْتَ و فصلْتَ و قطّعْتَ و هلَكْتَ و أحْزَنْتَ و أبكيْتَ .ما كان أخوكَ “صـــابر ” كما دبَّرْتَ له واتّهمْتَ و كدتَ ، فتركْتَنِي ساعدا واحدًا يَشِيخُ ويعجزُ و يموت …لقد تربّيْتَ في حجر أمّك و تربّى أخوك في حجر الأرض ، أمومة لا تموت و أمّك تموت . و أموتُ فلّاحًا فرحت يدي بما عملت و في صــــــــــــــدري حزن بما اختَزَنَ …” ثمّ كالمستفيق من غيابٍ قال بصوتٍ مسموع :” يا ولدي لن تُطْعمك غير يدك” فقال له صابر :
ـ كذا كان والدي يقول ، ففعلتُ و أطرَدْتني بكيدٍ من أرضٍ بها عملْتُ .فقال له :
ـ لقد كان قلبي يُسِرّ لي بأنّكَ أخي و تبعدكَ عنّي عيني كأنّها لا تريد أن تراك..
ـ لقد اغرتك عينك بكلّ الأرض ففعلتَ بي و بوالدي ما فعلْتَ فأبكيْتَ و أحزنْتَ و ما هذا القمح بمحصٍ دموعي ، أغرتك عينُكَ بكلِّ الأرض و لي نصفها وهو ما زرَعْتُ فيه و حصدت و قد قسمتُ فالثُّلُثُ للشَّابينِ و ثلُثٌ أختزنه و تنقِّي يداي الثُّلُثَ صدقة كما كان أبي يفْعَلُ ….
ثمّ نظر إليه نظرة حادّة و قال له:
ـ فما الذّي ترى انِّي فاعلٌ بك يـــــــــــا……

احصائيات كورونا في مصر اليوم
17

الوفيات الجديدة

الحالات السلبية

126

الحالات الجديدة

5787

اجمالي اعداد الوفيات

90332

عدد حالات الشفاء

102141

اجمالي اعداد المصابين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى