مصر البلد الاخبارية
جريدة - راديو - تليفزيون
رئيس مجلس الإدارة: السيد حمدي   رئيس التحرير: كمال سعد
رئيس التحرير التنفيذي: خالد عامر

قد شغفها حبا وشغفته

بقلم – محمد حسن حمادة:

الحلقة الثانية.

بيت السناري.

لفت نظر العاشق الولهان (طارق) شيئا غريبا لدي بائع الصحف النوبي قنديل ليس من صناعة عصرنا يضعه بجواره وكأنه يحرسه وحتي يتأمل القنديل جيدا تظاهر أنه نسي شراء مجلة السياسة الدولية، فغلب علي ظنه أن القنديل ليس من (شغل) خان الخليلي، فقام الرجل النوبي ثانية من مكانه وانحني علي الطاولة الكبيرة التي كانت تحوي المجلات وناول طارقا المجلة بخفة مذهلة وكأنه شاب في العشرينيات لاحظ الرجل أن طارقا يحملق في قنديله فابتسم ابتسامة بشوشة فسرها طارق :أن الرجل لديه فراسة”. وكأنه فتح له الطريق بابتسامته هذه فتشجع طارق وسأله: أنا من هواة الأنتيكات القديمة وخاصة الطراز العثماني وأريد شراء قنديل كقنديلك هذا من أين اشتريته؟

وما أن تلفظ طارق بكلمة الطراز العثمانلي!؟ حتي زمجر الرجل وهاج وماج وأرغي وأزبد وأرعد ونهر طارقا بعنف، لاتردد هذا الوصف أمامي، فأنا لاأحب العثمانلية ولاالجنس التركي! وبين عائلتي وبينهم دم وثأر لن يمحوه الزمن!

قد يهمك ايضاً:

لا يتسع النوم للأحلام

صابرحجازي يحاور الشاعرة التونسية سميرة الزغدودي

ظن طارق أن الرجل له موقف سياسي وأنه ضد مواقف رجب طيب أردوغان المناوئة لمصر، وبعد لحظات هدأ الرجل ثم نظر إلي طارق بوداعة وعرض عليه احتساء القهوة معه وكأنه بهذه الدعوة يريد الاعتذار له عن انفعاله، بدأ في إعداد القهوة، زادت دهشة طارق بعدما عاين (السبرتاية والفناجيل) أيضا لايمتان بصلة لعصرنا ودون أن يسأله عن نوع قهوته صب القهوة وناوله هذا الفنجان الغريب ولم ينبث ببنت شفة إلا بعدما انتهي طارق من قهوته.

قطع الرجل نظرات طارق التي كانت حائرة بين القنديل تارة والسبرتاية والفنجان تارة أخرى، وابتدر بالكلام فقال: قبل أن تعرف سر القنديل والكرسي والسبرتاية والفنجان وسر غضبي وثورتي عندما ذكرت كلمة (العثمانلي) يجب أن تُلقي نظرة علي هذه أيضا ثم قام بإخراج قطعة خشبية من تحت وسادته وكأنها جزء من مشربية قديمة، فزادت الألغاز، ثم أردف قائلا: ثانيا لابد أن تعرف أولا من أنا بعدها ستزول دهشتك:

أنا ياولدي حفيد الأمير ابراهيم كتخدا السناري فخر الأماثل وكمال الأعيان العظام عين أعيان ذو القدر أولى الشأن الفخام الجناب المكرم والمخدوم المفخم الأمير إبراهيم كتخدا المعروف نسبه الكريم بالسناري كتخدا افتخار الأمراء العظام كبير الكبرا أولي الشأن الفخام صاحب العز والقدر والمجد والاحترام المقر الكريم العالي حايز أنواع كمالات المفاخر والمعالي أمير اللوى الشريف السلطاني والعلم المنيف الخاقاني مولانا الأمير مراد بك محمد أمير الحاج الشريف المصري سابقًا دامت عزته وأبدت سيادته وأعز جناب الواقف المشار إليه أعلاه آمين”.

قالها بطريقة ميكانيكية وكأنه يحفظ هذه المقطوعة عن ظهر قلب بشكل آلي ويتلوها كأنها نشيده القومي الذي يعتز ويفاخر به، ملامحه النوبية وهيئته الصارمة وحديثه الموزون كل ذلك لايوحي بأنه يهذي أو لديه مس من الجنون! لم يكن هناك خيار أمام طارق إلا ترك هذا الرجل يسترسل فلن يضيره شيئا.

اقترب منه هامسا في أذنه حتي لايسمعه أحد: أنا ياولدي جدي الأكبر الأمير إبراهيم كتخدا السناري هل تعرفه؟ وقبل أن يجيب طارق واصل حديثه: إنه الرجل الذي بيع في سوق الرقيق ولكنه عبر حدود الوطن ونجح في كسر الحواجز السياسية وإذابة التركيبة الطبقية وخرج من دائرة النظام القبلي والعرق واللون والجنسية ليرتقي السلم الاجتماعي من أدني درجاته إلى أعلى درجة فيه، تخيل يابني شاب من برابرة دنقلة جنوب شرق السودان شد الرحال إلي مصر وتحديدا مدينة المنصورة، ليعمل بوابا كيف سيكون حاله!؟

إنه الحلم ياولدي الذي يصاحبه ذكاء فطري يدفعه للتطلع لغد أفضل، فتعلم القراءة والكتابة حتي برع في التنجيم والسحر وقراءة الطالع وأصبح السحر حرفته ومهنته حتي فاقت شهرته الألباب وصار حديث الناس، كان ابن عصره بل كان سابقا علي عصره وعرف من أين تؤكل الكتف فشد رحاله إلي صعيد مصر حتي دخل في خدمة مصطفى بك الكبير وأصبح المسئول الأول عن شئونه، تعلم اللغة التركية لغة المراسلات والمكاتبات مما مكنه من الانخراط في صفوف المماليك كواحد منهم ولكن للأسف (غلطة الشاطر بألف) ارتكب خطأ فادحا حينما قبل أن يكون أداة في يد مصطفى بك للتشهير بمراد بك الكبير والذي أصبح له ولاية مصر ومن ثم يصبح السناري مطلوبا ومطاردا من جانب مراد بك ولكن بعد وساطة تمت المصالحة بين السناري ومراد بك وعادت المياه لمجاريها بين الرجلين وعاد الزهر يبتسم للسناري من جديد! فيتحول السناري من عدو لدود لمراد بك إلى صديق ودوود حتي أسند له سيده تحرير مكاتباته ووثق فيه في إدارة شئونه فعينه (كتخدا) الذي يساوي في عصرنا الحالي لقب محافظ ثم نائبا لحاكم القاهرة وأصبح ملازما له في حل…