مصر البلد الاخبارية
جريدة - راديو - تليفزيون
رئيس مجلس الإدارة: السيد حمدي   رئيس التحرير: كمال سعد
رئيس التحرير التنفيذي: خالد عامر

سنشد عضدك بأخيك

بقلم – دكتور إبراهيم محمد البيومي:

امام وخطيب مسجد السيدة زينب رضى الله عنها وأرضاها

لقد اهتمَّ الإسلام بالعلاقة بين أفراد الأسرة الواحدة، سواء علاقة الآباء مع أبنائهم، أو علاقة الأبناء فيما بينهم والمتمثِّلة في علاقة الأخوَّة , وعمل على ما يضمن نجاجها واستمرار وجودها , وإن العلاقة بين الإخوة والأخوات من أقوى العلاقات وأقرب القرابات، وهم أَوْلَى الناس بالصلة بعد الآباء والأُمهات,وإن البر بهم طاعة لله, وحسن معاملتهم عبادة ، فقد روى الإمام أحمد أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( بر أمك وأباك، وأختك وأخاك ثم أدناك أدناك)

ولقد اعتنى القرآن بهذه العلاقة التى لا تساويها قرابة غير قرابة الأبوين , فقد  تكرر  لفظ الأخ في القرآن الكريم ومشتقاته للتعبير عن علاقة الأخوة ومكانتها فى ستة وتسعين موضعا ,وقد ذكر القرآن أن  المرء  يفر يوم القيامة  من أخيه وأمه وأبيه , قال تعالى  “فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ” ، فبدأَ بالأخِ لأنَّه كانَ في الدُّنيا هو النَّصيرُ والعضيدُ، وهو الرُّكنُ الشَّديدِ، ولكن يومَ القيامةِ يفرُّ من أخيه لأنَّ في الآخرةِ (لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا)، وأما في الدُّنيا، فمهما كانَ من البعد بينَكما، إذا احتجتَ إليه، تجدُ ما يسرُّ خاطرُكَ، ويقرُّ ناظرُكَ، وإذا أعرضَ عنكَ الأصحابُ وجدتَ أخاكَ هو ناصرُكَ .

وأخبر الله عن المؤمنين في الجنَّة  أنهم  إخوانا على سرر متقابلين يقول تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ} ، فوصفهم بالإخوة دون غيرها ، وفي وصْفِهم بالأخوَّة دلالة على عِظَم مكانتها وارتضاء الله – تعالى – لهم ذلك.

ويقص القرآن علينا أعظم نموذج للأخوة فى التاريخ  وهو سيدنا موسى مع أخيه هارون ,فقد سأل سيدنا موسى ربه  أن ينعم على أخيه بالنبوة ,وأن يكون مشاركا له فى أمر النبوة  وذلك لحبه الخير لأخيه  وتمنى النعمة له  فقال  ” وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا..”

  فقد  طلب موسى من ربه أن  يمن على أخيه بالرسالة ليكون معينا له على الأمر, ونصيرا له يقف بجواره ويؤازره ,ويمنع عنه بطش فرعون ويحميه من ظلمه وطغيانه, فأجابه الحق بقوله  (سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنْ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ)  فالأخ هو الناصر لأخيه , وهو المعين له فى الشدائد ,هو من  إذا سألتَه أعطاكَ..وإن نزلتَ بك نازلةٌ واساكَ.. أخوكَ الذي إذا قُلتَ صدَّقَ قولَكَ.. وإذا رأى منكَ عورةً نصحَكَ.. وإن تنازعتما في شيءٍ آثركَ.. يكونُ معكَ في النوائبِ.. ويؤثركَ في الرغائبِ.. يضرُّ نفسَه لينفعكَ.. ويُشتِّتُ شملَه ليجمعكَ.

وجاء التعبير القرآنى بالعضد ,والعضد تتجمع فيه العضلات القوية فهو قوام اليد وبشدتها تشتد وشد العضد : كناية عن التقوية له ، لأن اليد تشتد وتقوى ، بشدة العضد وقوته ,وهو من المرفق إلى الكتف, فالأخ لأخيه كذراعه اليمنى التى يعتمد عليها , يقول الإمام القرطبى ” فلفظ العضد هنا على جهة المثل أى سنعينك بأخيك , فالله سبحانه وتعالى لا يحتاج إلى عون أحد “

 وهذه أعظم أخوة فى التاريخ فقد رفعت هارون لمقام النبوة , ولذلك كان موسى أنفع أخ لأخيه فعَنْ هشام بن عروه، عَنِ ابيه،  عن عائشة أنها خرجت فيما كانت تعتمر, فنزلت ببعض الأعراب, فسمعت رجلاً يقول: أي أخ كان في الدنيا أنفع لأخيه ؟ قالوا: لا ندري. قال: أنا والله أدري. قالت: فقلت في نفسي في حلفه لا يستثني إنه ليعلم أي أخ كان في الدنيا أنفع لأخيه, قال: موسى حين سأل لأخيه النبوة, فقلت: صدق والله. قلت: وفي هذا قال الله تعالى في الثناء على موسى عليه السلام: {وكان عند الله وجيهاً}.”

الأخ يحب الخير لأخيه ويفرحُ لفرحِ أخيه ويحزنُ لُحزنِه.. فإنه يَزينُهُ ما يزينُكَ، ويعيبُه ما يعيبُكَ..أخوك من  ينشرُ حسناتِكَ، ويَطوي سيئاتِكَ.. ويتحمَّلُ أخطاءَك وهفواتِكَ.. أخوكَ إذا خدمتَه صانَكَ، وإن صحبتَه زانَكَ.. يكتمُ سِرَّكَ، ويَسترُ عيبَك.. يُخفي منكَ كلَّ قَبيحٍ ويُبدي منكَ كلَّ جميلٍ.. ويتمنى لكَ كلَّ نجاحٍ وتوفيقٍ وخيرٍ جَزيلٍ.

أَخُوكَ الَّذِي يَحْمِيكَ فِي الغَيْبِ جَاهِدًا *** وَيَسْتُرُ مَا تَأْتِي مِنَ السُّوءِ وَالقُبْحِ

وَيَنْشُرُ مَا يُرْضِيكَ فِي النَّاسِ مُعْلِنًا *** وَيُغْضِي وَلا يَأْلُو مِنَ البِرِّ وَالنُّصْحِ

الأخُ هو عصاكَ التي تتكئُ عليها وسطَ عواصفِ العُمُرِ.. الأخُ هو سَندُكَ إذا تكالبتْ عليكَ الهمومُ وضاقَ بكَ الصَّدرُ.. أخوكَ بعدَ اللهِ تعالى هو النَّصيرُ لكَ في الحياةِ والمُعينُ.. أخوكَ هو أُنسُ الخاطرِ وسلوَّةُ القلبِ وقُرَّةُ العينِ.

أَخَاكَ أَخَاكَ إنَّ مَنْ لاَ أَخَا لَهُ *** كَسَاعٍ إلَى الهَيجَا بغَيرِ سِلاَحِ

ولقد كان أهل الجاهليةِ  يعلمون مكانة الأخ وعظم منزلته ,” فهذا مُهَلْهِلُ بنُ ربيعةَ لمَّا قُتلَ أخوهُ كليبٌ، رثاهُ بقولِه:

كُلَيْبُ لاَ خَيْرَ في الدُّنْيَا وَمَنْ فِيهَا *** إنْ أنتَ خليتَها في مَنْ يُخليها

نعى النُّعاة  كليباً لي فقلتُ لهمْ *** مادتْ بنا الأرضُ أمْ مادتْ رواسيها “

ومن النماذج العظيمة فى الأخوة  :سيدنا عمر بن الخطاب مع أخيه زيد فقد كان عمر شديد الحب لأخيه زيد،رآه عمر يوم أحد، وقد سقط الدِّرع عنه، وأصبح قريبًا من الأعداء، فصاح قائلا: خذ درعي يا زيد فقاتل به، فردَّ عليه زيد: إني أريد من الشهادة ما تريده يا عمر،  وأبى أن يأخذ درعه وظل يقاتل بغير درع في فدائية، ولكن الله لم يكتب له الشهادة في تلك الغزوة.

ولما استشهد زيد بن الخطاب فى موقعة اليمامة بعد  قتال شديد حزن المسلمون لموت زيد حزنًا شديدًا، وكان أشدهم حزنًا عليه أخوه عمر الذي قال حينما علم بموته: رحم الله زيدًا سبقني إلى الحسنيين، أسلم قبلي، واستشهد قبلي.

 وبلغ من محبته لأخيه أنه كان دائمًا يقول: ما هبت الصبا إلا وجدت منها ريح زيد، وها هو ذا يقول لمتمم بن نويرة: لو كنت أحسن الشعر لقلت في أخي زيد مثل ما قلت في أخيك مالك، وكان متمم قد رثى أخاه مالكًا بأبيات كثيرة، فقال متمم، ولو أن أخي ذهب على ما ذهب عليه أخوك ما حزنت عليه، فقال عمر: ما عزاني أحد بأحسن مما عزيتني به.

حزن عمر على أخيه زيد حزنا شديدا فعمر مع قوته حين فقد أخوه شعر بأن ظهره قد كسر وفقد ركناً  يميل اليه  فى الشدائد, وعصاً يتوكأ عليها فى النوائب,  ولذلك رُوِي عن لقمان: أنَّه قدِمَ من سفر، فلقِيه غلامٌ في الطريق، فقال: ما فعل أبي؟ قال: مات، قال: الحمد لله، ملكتُ أمري، قال: ما فعلت أمِّي؟ قال: ماتت، قال: ذهب همِّي، قال: ما فعلتِ امرأتي؟ قال: ماتت، قال جُدِّد فراشي، قال: ما فعلت أختي؟ قال: ماتت، قال: سُتِرت عورتي، قال: ما فعل أخي؟ قال: مات، قال: انقطع ظهري.

الأخ تأنس به النفس وتسعد به الروح وتبتهج به الصدور ويسعد الأخ بلقاء أخيه وينتهى ما به من بؤس بمجرد لقاء أخيه “وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ” ؛ فانتهى البؤسُ بمجردِ لقائه بأخيهِ.. فهو الذي في الغربةِ سيواسيه ويحميه.

ومن النماذج العظيمة التى تظهر مدى تضحية الأخ من أجل أخواته: سيدنا جابر بن عبدالله فقد مات أبوه فى غزوة أحد وترك له تسعة من البنات فكان جابر يضمد جراحهن , ويخفف آلامهن ,ويصبرهن على مصابهن ويقوم على شئونهن ,ولما أراد أن يتزوج بحث عن الزوجة التى تساعده فى تحمل المسئولية تجاه أخواته فقد روى جابر أن النبى لقيه ، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((يا جابر تزوجت ؟ )) قال : قلت : نعم . قال : (( فبكر أم ثيب ؟ )) قال : قلت : بل ثيب يا رسول الله . قال : (( فهلا جارية تلاعبها وتلاعبك ؟ )) أو قال : (( تضاحكها وتضاحكك ؟ )) قال : قلت له : إن عبد الله هلك ، وترك تسع بنات أو سبع ، وإني كرهت أن آتيهن أو أجيئهن بمثلهن !! فأحببت أن أجيء بامرأة تقوم عليهن وتصلحهن .

وفى رواية  قلت يا رسول الله :توفي والدي أو استشهد ولي أخوات صغار ، فكرهت أن أتزوج مثلهن ، فلا تؤدبهن ولا تقوم عليهن ، فتزوجت ثيبا لتقوم عليهن وتؤدبهن ) قال : (( فبارك الله لك )) ، أو قال لي (( خيراً ))].

فالأخ لا يعوض ولا يشعر بقيمة الأخ أو الأخت إلا الذي حرم من الإخوة أو فقد أحدهم، ، فالأخ هو أقرب الناس لأخيه، وهو الشخص الذي تأنس إليه الروح ويهفو إليه القلب، وهو رفيق العمر الذي لا يخون أخاه أبداً ولا يتخلى عنه، لأن ما يربط بين الأخ وأخيه أقوى من كل شيء، فرابطة الدم تجعل الشخص ينجذب فطرياً لاخيه ويأنس له ويعتبره أقرب الناس إليه، ولا يعرف قيمة الاخ إلا من يفتقد وجود هذه النعمة في حياته، الأخُ الذي إذا مدَدتَ يدكَ بخيرٍ مدَّها.. وإن رأى منك حَسنةً عدَّها.. وإن رأى منكَ سيئةً سدَّها..