” انا والميكروباص “.. بقلم إسلام الجندي

بينما انا جالس بجانب سائق الميكروباص وعلي الجانب الاخر بجواري يجلس راكب أنيق مرتديا نظارتة الشمسية وباقي الركاب في الخلف سرحت بخيالي وانا اطالع الأشجار والأراضي الزراعية على جنبات الطريق والتي تغيرت ملامحها كثيرا حيث يوجد في اوسطها الان غابة من المباني الخرسانية ولم انتبه الا على صوت مطب عنيف للسيارة ومن بعد هذا المطب بدأ الكثير من الركاب يظهروا غضبهم على السائق.

انا بالفعل اسمتع كثيرا بركوب هذه المركبة العجيبة الغريبة التي تسمى ميكروباص فهو يبدوا لي كصندوق الدنيا او صورة مصغرة من طبقات شعبية عديدة ومتنوعة ولكنها كلها في نطاق الطبقة المتوسطة في مجتمعنا المصري

عندما تدخل هذا الميكروباص يبدوا وانك دخلت داخل منازل الركاب وتسبح داخل مشاكلهم وهمومهم لأنك أثناء الجلوس يتبادل الركاب أطراف الحديث وكل واحد يحكي ويتكلم عن اوجاعة ومشاكلة وكأن كراسي وزجاج الميكروباص أصبح طبيب نفسي كبير يأتي اليه الشخص ليحكي له كل ما يجول في خاطرة ثم يقوم ويخرج من العيادة وهو على ثقة كبيرة ان الطبيب لن يبوح بأسرارة لأحد أثناء رحلة الميكروباص يصبح جميع الركاب لديهم موهبة الاستماع وايضا ملكة التعبير. نعم نحن نستمع الي بعضنا البعض ونتكلم معا في أدق مشاكلنا.

ما هو السر في هذا الميكروباص او الطبيب النفسي هل نجد على الرغم من حدودة الضيقة أفق ومساحة شاسعة تتسع لنا جميعا من الاحساس بالغير والانصات لأوجاع البشر المحيطين بنا.
هل لأننا متأكدين اننا لا نعرف بعضنا البعض فهذا يتيح لنا مساحة اكبر للتعبير عن ما يخالج الصدور.
تعالي نلقى نظرة على هذه الصورة المصغرة من شريحة كبيرة من أهلنا ومجتمعنا انظر إلى صديقي الذي اعرفه من عشر دقائق فقط الجالس بجواري وهو يتحدث معي عن من هو بطل الدوري ومن هو لاعبة المفضل وعن عمله الذي يسافر اليه يوميا لكي يتمكن من الزواج من خطيبتة التي لا يستطيع أن يراها الا يوم الجمعة فقط لانه يوم الاجازة من هذا الروتين اليومي.
انظر إلى تلك السيدة العجوزة التي تجلس بجوار الشباك حتى تتمكن من فتح الزجاج عندما تشعر بحاجتها الي بعض الهواء المنعش الذي يداعب تلك الطرحة السوداء التي توجد حول رقبتها ورأسها تلك السيدة هي أم لجميع الركاب لأنها تشبه امهاتنا في طيبتها وضحكتها التي ترتسم على وجهها بالرغم من تعبها ولكنها لا تريد أن تشعر احد بألمها ولذلك كل الركاب ينادونها أمي.
وفي الكراسي الخلفية يوجد مجموعة من الشباب الجامعيين الذين يسافرون يوميا أيضا لأنهم لتحقيق حلمهم بالحصول على البكالوريوس على الرغم انك تسمعهم يتحدثون على الشكوك حول مستقبلهم العملي بعد التخرج وبعد سنين الكفاح وطبعا هم أصحاب صوت عالي وضحكات رنانة لأنهم لم يتحملوا المسئولية بعد.

ويجلس أمامهم مباشرة زوج وزوجة وواضح من تصرفات الزوج تزمره من الشباب الذي يجلس خلفه وغيرتة الشديدة على زوجتة منهم ولكن يبدأ اهتمامه بهم يتلاشى عندما يبدأ الحديث مع زوجتة عن مصروف البيت وكيفية تقسيمة لكي يتمكنوا من تلبيه احتياجتهم الضرورية التي لا يوجد بها أي نوع من الترفية او الكماليات من إيجار وجزار ودكتور ودروس خصوصية وما ادراك ما الدروس الخصوصية وفي نهاية الحوار يقول لزوجتة المرتب مش هايكفي و بأبتسامة صافية تضحك الزوجة وهي تقول لزوجها اوعي تشيل هم ان شاء الله ربنا هايسترها وبالفعل ربنا بيسترها لأن طبقا للنظريات والقواعد الاقتصادية المفروض المرتب ده يخلص على الأكثر يوم عشرة في الشهر. ويبادلها زوجها بأبتسامة وعو يقول لها ونعمة بالله.
ونأتي الي هذا الكرسي بجوار باب الميكروباص وهو كرسي متحرك يمكن لمه وفردة ويجلس عليه واحد من أصحاب الورش من اولاد البلد الجدعان وهو جالس يقلب في تليفونة المحمول من ماركة أيفون صاحب التفاحة المأكول منها قطعة
يجلس ويتفاخر بتليفونة وسعيد جدا به على الرغم من انه لا يجيد استعمالة كما ينبغي وأثناء ذلك تأتي آلية مكالمة تليفونة من احد أصدقائة ومن سياق الحديث تفهم ان صديقة في مشكلة مالية وابن البلد الجدع والشهم هذا يطمئن صديقة ويقول له لا تشيل هم الفلوس انا اخوك وتحت امرك.
وفي جوارة يجلس رجل متوسط العمر مرتدي بدلة رسمية يبدوا عليها انها قديمة فهو أب ومتجه الي مقر عمله وهو يتفاني في ادائة لحرصة الشديد ان تكون كل ما يحتوية مرتبة الشهري من الجنيهات حلال بدون اي شبه حرام
ولكن لابد لهذا الميكروباص من قيادة تتحكم في الرتم العام ومن لها غير السائق الذي يفرض عليك ما يحبه هو من اغاني صاخبة من اغاني المهرجانات ويتحكم أيضا في السرعة الجنونية التي يسير بها على الرغم طلب الركاب منه تخفيف السرعة ولكن من صوت الكاسيت المرتفع لا يسمعهم.
وبأشارة منه الي مساعدة المتواجد في الخلف وفي وسط مجتمع الركاب وهو من يسمى بالتباع وهو شخص مسئول عن كل شيئ
النظام فلابد من جلوس اربع أشخاص بالخلف وعدم لمس محتويات الميكروباص وتنزيل وتصعيد الركاب ومتابعة الركاب وبالأخص من يجلسوا بالخلف وايضا فهو المسئول المالي داخل الميكروباص فهو يقوم بلم الأجرة وتعبئة البنزين وتغيير الزيت وايضا هو المسئول عن نظافة الميكروباص

وعندما وصل الميكروباص الي الموقف بدأ الركاب ينزلوا وكأنهم لم يروا بعض من قبل كل واحد ينشغل مرة أخرى في حياتة الخاصة ومشاكلة وفي اليوم التالي يأتي ركاب آخرون بقصص مختلفة ولكنها متشابهة الي حد كبير لانهم أبناء طبقة واحدة. طبقة تحتاج منا الي اهتمام ودعم ومساندة لأنهم من نسيج هذا الوطن الغني بثقافتة المتعددة والتي أثرت في المجتمعات المحيطة به على مر العصور.
اريد ان اطلب منك ان تنغمس في أحوال الناس بجوارك وان تشعر بمعانتهم وان تبذل ما تستطيع للتخفيف عنهم
لا اخفيك سرا نحن جميعا ركاب وجزء من هذا الميكروباص

التعليقات مغلقة.