مقالات

الكوارث الوبائية والكوارث النووية

بقلم – الدكتور على عبد النبى:

خُلق الإنسان فى كبد، ومكابدة الدنيا بالسعى فيها وتحمل مشاقها كانت هى النتيجة الحتمية لخروج الإنسان من جنة كان لا يجوع فيها ولا يعرى، ولا يظمأ فيها ولا يضحى، بعد أن عصى آدم ربه فغوى. والله سبحانه وتعالى كرم الله الإنسان بالعقل، وهو مناط التكليف، فالعقل منشأ الفكر، وله القدرة على الإدراك والتدبر وتصريف الحياة، وهو أداة التمييز والفهم والاجتهاد. فعمارة الأرض واستصلاحها تحتاج دائماً إلى العقل الذى يفكر فى ابتكار الوسائل والطرق التى تؤدى إلى ذلك. لكن فى المقابل نجد أن الإنسان كثيرا ما يستخدم العقل فى التخريب والتدمير والفساد والطغيان.

والإنسان فى رحلة حياته على سطح كوكب الأرض، واجه كوارث كثيرة من فعل الطبيعية، مثل لبراكين والزلازل والسونامى والأوبئة وما إلى ذلك. وواجه كوارث عديدة بما صنعته يداه، مثل الأوبئة البيولوجية والحروب والتعرض للإشعاعات المؤينة نتيجة التجارب النووية والأسلحة النووية وكوارث وحوادث المحطات النووية وخلافه.

منذ بداية الخليقة تعرض الإنسان لأوبئة مختلفة أدت إلى موت الكثير من الناس. وما تم تسجيله من الأوبئة كثير، لكن يهمنى أن أستعرض بعض الأوبئة والتى كان لها تأثير مدمر على مر التاريخ. وباء الطاعون ظهر بين عامى 165 و180 ميلادية فى الإمبراطورية الرومانية، وانتشر في العالم وتسبب فى وفاة ما يقرب من 5 ملايين شخصا. وباء الطاعون ظهر بين عامى 541 و542  ميلادية فى الإمبراطورية البيزنطية، وانتشر فى العالم، وتسبب فى وفاة 30 مليون شخصا. وباء الجدرى ظهر بين عامى 735 و 737 ميلادية فى اليابان، وانتقل إلى البلاد المجاورة لليابان، وتسبب  فى وفاة ما يقرب من 2 مليون شخصا. وباء الطاعون ظهر بين عامى 1347 و 1351 ميلادية فى الصين، وانتشر في العالم، وتسبب في وفاة ما يقرب من 200 مليون شخصا. وباء الجدرى، ظهر فى عام 1520 ميلادية، وانتشر فى العالم وتسبب فى وفاة ما يقرب من  56 مليون شخصا. وباء الكوليرا، ظهر على ست مرات بين أعوام 1817 و1923 ميلادية، وانتشر فى العالم، وتسبب فى وفاة ما يقرب من مليون شخصا. وباء الإنفلونزا الإسبانية، ظهر عام 1918 ميلادية، وانتشر فى العالم، وتسبب فى وفاة ما يقرب من 50 مليون شخصا. وباءالإيدز، ظهور فى عام 1981 ميلادية، وما زال منتشراً حتى الآن فى العالم، وقد تسبب فى وفاة ما يقرب من 35 مليون شخصا.

حوادث وكوارث الطاقةالنووية – الإشعاع المؤين – هى من صنع الإنسان، وكانت البداية مع قنبلة هيروشيما فى 6 أغسطس 1945، وأدت إلى وفاة مايقرب من 140 ألف شخص، ثم قنبلة ناجازاكى فى 9 أغسطس عام 1945، وأدت إلى وفاة ما يقرب من 80 ألف شخص. كما خلفت الحادثتان إصابات بالسرطان والصدمات النفسية والحروق الإشعاعية والتسمم الإشعاعى للآلاف المؤلفة من الناس.

التعامل مع الطاقة النووية كان منذ أكثر من 80 سنة، وأصبح التعامل مع الإشعاع المؤين والوقاية منه معروفا وتنظمه لوائح هندسية وطبية، وبذلك فالإشعاع المؤين يمكن التعامل معه إما بمنع حدوثه وانتشاره، وإما بالتقليل من ضرره فى حالة انتشاره فى البيئة. فمعظم جيوش دول العالم لديها خطط جاهزة ويتم التدريب عليها للوقاية من الإشعاعات المؤينة فى حالة نشوب حرب نووية، وكذلك هناك خطط لوقاية المدنيين. بل أن هناك حالة فريدة من نوعها في العالم، فدولة سويسرا تمتلك شبكة مخابئ مضادّة للأسلحة النووية، وبإمكانها عند اللّـزوم استيعاب جميع السكان. فمجموع المخابئ الملحقة بالمساكن والمدارس والمستشفيات أكثر من 300 ألف ملجأ، بالإضافة إلى أكثر من 5100 ملجأ عام.

ثلاث حوادث وقعت فى محطات توليد الكهرباءالتى تعمل بالطاقة النووية وهى من الجيل الثانى. فى 28 مارس 1979 وقعت حادثة محطة “ثرى مايل آيلاند” فى أمريكا، ولم تتسبب فى حدوث وفيات.  وفى 26 أبريل 1986 وقعت كارثة محطة “تشرنوبيل” فى أوكرانيا، وإجمالى من توفى جراء الحادث بسبب الإشعاع لم يتعد 110 شخصا على مدار عشرين عاما، وأكثر من 6 آلاف حالة من حالات سرطان الغدة الدرقية، بل كانت هذه الكارثة عابرة للقارات، فقد انتشر الغبار النووى المشع فوق دول أوروبا، ولكن بدون خسائر بشرية. وفى اليابان، وفى يوم 11 مارس 2011، حدثت كارثة محطة فوكوشيما النووية، ولم تتسبب فى حدوث وفيات نتيجة الإشعاع النووى. الخسائر فى المحطات الثلاث كان معظمها خسارة أموال، وتقدر بعدة مليارات من الدولارات، وهناك مبالغ صرفت لتطهير مكان الحادثة من المواد المشعة، ومبالغ صرفت لعلاج المصابين من كارثة تشرنوبيل.

نستطيع أن نقول أن الاستعدادات فى معظم دول العالم تستطيع الحد من أضرار الأسلحة النووية وحوادث المحطات النووية، وتستطيع الحد من أضرار الحرب البيولوجية والكيميائية إذا استخدمت فيها الأوبئة والكيماويات المتعارف عليها، أما إذا استخدم فيها أوبئة وكيماويات سرية فهنا تصعب المقاومة وهنا تصبح الحرب كارثية.

لا يستطيع الإنسان الوقوف أمام الكوارث الطبيعية، مثل البراكين والزلازل والسونامى والأوبئة وما إلى ذلك. وأنا هنا أتكلم عن الأوبئة الغير متعارف عليها، وهى الأوبئة التى تنتقل عن طريق الحيوانات والطيور، وهذا هو ما شاهدناه من تخبط دول العالم خلال فترة الشهور الخمسة الماضية فى مواجهة فيروس كورونا المستجد.

الأزمة تتطلب أن نقول الحقيقة وأن نتعامل بشفافية ومصداقية. فيروس كورونا المستجد والذى لا يرى بالعين، أثبت هشاشة نظم إدارة الأزمات فى كثير من دول العالم المتقدمة، والتى تمتلك أسلحة نووية وصواريخ عابرة للقارات وحاملات طائرات وغواصات وما إلى ذلك من الأسلحة التى يوجهها الإنسان لقتل أخيه من بنى أدم. ووقفوا حائرين أمام هذا الوباء اللعين، ولزموا منازلهم وتعطلت تجارتهم وتوقفت الحياة كاملة، وخلت الشوارع من المارة، لكن ظلت الأبنية والمنشآت قائمة تشهد على تخلفهم الإنسانى.

أثبت هذا الوباء أن هناك رؤساء دول ورؤساء حكومات، هم دون المستوى فى تحمل مسؤولية دول تمتلك من القوة ما تستطيع به تدمير البشرية جمعاء، فمنهم من لا يمتلك الشجاعة على قول الحقيقة وتستر على الوباء، ومنهم من لا يمتلك الحكمة، ومنهم المتغطرس والمنتشى بنشوة القوة النووية والهيدروجينية آخذاً موقف المتعالى والمتكبر والاستخفاف بهذا الكائن الضئيل. كل هذا أدى إلى انتشار الوباء فى أكثر من 184 دولة، وحصد أرواح أكثر من 115 ألف من البشر على مستوى العالم حسب الإحصائيات الرسمية حتى الآن.

السياسة غلبت الطب، فلم يستمع بعض رؤساء الدول ورؤساء الحكومات إلى نصائح المتخصصين، ولا إلى نصائح تقارير المخابرات. وأصبحوا هم المسيطرون والمتحكمون فى إدارة الأزمة. فمنهم من هوًن من شدة وقدرة الوباء على التفشى ظنا منه أنه مع شهر أبريل سينتهى الوباء، حتى ازداد الوباء أنتشاراً فى بلده. ومنهم من أصدر أوامره باتباع سياسة “مناعة القطيع”، حتى ازداد الوباء أنتشاراً فى بلده. نحن الأن أمام زعامات تسيطر على مقدرات العالم، وهى لا تستجيب للغة العقل والحكمة والمنطق، ولكنها تضع الأولوية للاقتصاد على حساب حياة الإنسان.

إجراءات الإغلاق الكامل والجزئى أثرت على ما يقارب 3.3 مليار عامل حول العالم، أى 81% من القوى العاملة العالمية. صحيح أن الصين تضررت كثيرا، لكن المتضرر الأكبر هى أمريكا. والدراسات الإحصائية تشير إلى أنه عندما تنتهى هذه الأزمة، وهى لن تنتهى فى مدة قصيرة، بل فى حدود سنة، سنجد عالما مدمرا إقتصاديا. فمن المتوقع أنه فى أمريكا وحدها سيصبح هناك 25 مليون عاطل عن العمل. والدراسات تشير أيضا إلى أنه ليس هناك شركة أمريكية فى نهاية العام ستحقق أية أرباح، والدراسة تتوقع إفلاس 50% من الشركات الأمريكية.

الخفافيش تعتبر من أكثر الحيوانات التى تنقل الفيروسات، لأنها تعيش لسنين طويلة مثل الإنسان، وهى تعيش فى جماعات، وهى بيئةخصبة لنشر الفيروسات، وتطير لمسافات طويلة فتحمل معها الأوبئة. وفى إطار البحث عن أصل الفيروس المسؤول عن وباء “سارس” الذى انتشر بين عامى 2002 و2003، عثر علماء الصين فى “ووهان” على آثار لمسبب فيروس كورونا المستجد، فى عينة براز خفافيش تدعى “حدوة الحصان”، يعيش فى جنوب آسيا والصين وشرق روسيا. عينة البراز من هذه الخفافيش رفعت من أحد الكهوف فى الصين عام 2013، وثبت أن هذا الفيروس يمكن أن ينمو ويتكاثر فى خلايا القردة والخلايا البشرية، لكنهم تجاهلوا هذا البحث.

هذا ما فعله فيروس كورونا فى أقوى الدول، وهو فيروس لا يرى بالعين المجردة، كروى الشكل، وقطره يبلغ حوالى 125 نانومتر. وهنا أود أن أقول لكم، لقد أستعجلتم ولم تأخذكم الرحمة، فدمرتم بلادا وقتلتم أهلها، دون ذنب، مبررين فعلتكم بحجج كاذبة وواهية، أفلا تتعظون. والأوبئة لن تنتهى وما هو قادم منها أشد ضراوة، فمخازن الأرض مليئة بالخفافيش وهى أكثر عددا من الرؤوس النووية والهيدروجينية، والأوبئة سوف تستخدم كذبكم وغطرستكم وتعاليكم فى الإنتشار السريع.

أشكركم وإلى أن نلتقى فى مقالة أخرى لكم منى أجمل وأرق التحيات.

 

 

احصائيات كورونا في مصر اليوم
10

الوفيات الجديدة

الحالات السلبية

123

الحالات الجديدة

6130

اجمالي اعداد الوفيات

98314

عدد حالات الشفاء

105547

اجمالي اعداد المصابين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى