مقالات

العمل فى المحطات النووية والحذر المشروع

بقلم – الدكتور على عبد النبى:

يعتبر العامل النفسى فى الإقبال على العمل فى المجالات المستحدثة عاملاً هاماً لجذب الإنسان لخوض هذا المجال أيًا كانت طبيعة النشاط.

وعلى الرغم من أهميته العلمية والعملية ونجاحه المبهر فى توفير الطاقة العالية والنظيفة، إلا أن النشاط النووى منذ بدايته وحتى الآن لا يزال ميداناً خصباً لتلك العوامل النفسية على مستوى الأفراد، بل وعلى مستوى الدول أيضاً.

فمن خلال العديد من الدراسات والبحوث وما حدث من حوادث حقيقية، يدرك عامة الناس اليوم خطورة التعرض لجرعة عالية من الإشعاع، مثل كارثة محطة “تشرنوبيل” وتفجير قنابل “هيروشيما وناجازاكي”. وعلى الرغم من أن الانفجار الأخير في محطة “فوكوشيما” اليابانية لم يظهر أي آثار حادة على أولئك الذين تعرضوا للإشعاع أكثر من غيرهم، إلا أن الحادث نفسه كانت له نتائج سلبية تجاه الطاقة النووية ومحطات الطاقة النووية لتوليد الكهرباء.

فى هذا المقال سوف نحاول إلقاء الضوء على كيفية وقاية العاملين فى المحطات النووية من الإشعاع، وذلك للحفاظ على صحتهم. فهم يقضون معظم وقت عملهم داخل المحطة النووية، وبالتالي فمن المفترض أن يكون تعرضهم للإشعاع أكبر من أى وظيفة أخرى.

يعتبر الأمان النووى عهداً لا يمكن انتهاكه، وجزءاً من العقد الاجتماعي الذي يُسمح بموجبه للمحطات النووية بالعمل. ويبدأ الأمان النووى للمحطة النووية من مراحل تصميم المحطة وبنائها ويمتد طوال دورة حياتها الكاملة بما في ذلك التشغيل والصيانة، وحتى فى مرحلة تفكيكها وإزالتها، وبالتالي، هناك عدد من المنظمات والهيئات والشركات تكون مسؤولة عن أمان المحطة، على سبيل المثال: مصممي المحطة والمعدات، والمصنعين، والبنائين، وأصحاب المحطة ومشغلو المحطة – من الإدارة العليا إلى مشغل المفاعل وموظفي صيانة المحطة – والهيئات الرقابية والتنظيمية الذين يضعون ويشرفون ويفرضون معايير ومتطلبات تصميم المحطة والبناء والتشغيل. تتحمل هذه المنظمات مسؤولية مشتركة عن حماية السكان والبيئة خلال عمليات تشغيل المحطة الطبيعية وغير الطبيعية.

ثقافة الأمان لدى العاملين بالمحطات النووية لها أهمية قصوى ولها الأولوية، وهى على نفس مستوى أهمية ثقافة الأمان لدى العاملين فى تصميم المحطات النووية. فالوقاية من الحوادث النووية ومنعها هي أولوية الأمان الأولى لكل من المصممين والمشغلين للمحطات النووية. ويتم تحقيق ذلك من خلال استخدام هياكل تنظيمية ومكونات وأنظمة وإجراءات موثوق بها، في محطة يصممها ويديرها أفراد ملتزمون بثقافة أمان قوية.

ولا تقتصر ثقافة الأمان النووى عند هذا الحد من الأفراد، لكن لابد وأن يتحلى بها العاملون فى جميع مراحل مشروع المحطة النووية، مثل، دراسات وبحوث واختيار المواقع، وتنفيذ المحطة، واختبارات المحطة، وتشغيل وصيانة المحطة، وحتى فى مرحلة تفكيك وإزالة المحطة بعد انتهاء عمرها التشغيلى.

ثقافة الأمان النووي هو مصطلح يجمع بين مفهومين: الأمان والثقافة: الأمان، هو الحماية من الأذى، ويعتبر النشاط (محطة نووية) آمناً عندما يتم التحكم في المخاطر المرتبطة به إلى مستويات مقبولة. والثقافة، وتشمل  المعتقدات الجماعية، والقيم، وسلوكيات الأفراد المنتمين إلى منظمة ما، وتشمل القواعد السلوكية والمواقف المشتركة والتقاليد المشتركة وآليات تحفيز وتعزيز السلوكيات المرغوبة.

وبذلك نفهم ثقافة الأمان على أنها تلك العمليات التنظيمية التي تؤثر في نهاية المطاف وتقوى الثقافة التنظيمية للتأكد من ضرورة اتباع معايير الأمان النووى. وتخلق هذه العمليات رغبة مستمرة في التحسين، يغذيه الأفراد الذين بدورهم يجدون الدافع من ثقافة الأمان في المنظمة.

إذاَ، ثقافة الأمان النووى تعتبر هى القيم والسلوكيات الأساسية، والناتجة عن الالتزام الجماعي من قبل القيادات والأفراد، لتأكيد الأمان النووى، وحتى نضمن حماية الناس والبيئة من خطر الإشعاع.

الوقاية من اِلإشعاع للعاملين بالمحطة تتم بدايةً بضمان التشغيل الطبيعى للمحطة النووية، بحيث يكون التعرض للإشعاع داخل المحطة وبسبب أي إطلاق للمواد المشعة من المحطة منخفضاً بقدر ما يمكن تحقيقه فى حدود المعقول. ففي ظل ظروف التشغيل الطبيعي للمحطة النووية يتم توفير وسائل وقاية من الإشعاع للعاملين بها، كما أن هناك تدابير وقائية إضافية منفصلة في ظل ظروف الحوادث.

معايير الوقاية من الإشعاع تم تطويرها لمنع الآثار الضارة للإشعاع المؤين على العاملين بالمحطة النووية، وذلك عن طريق الحفاظ على جرعات منخفضة من الإشعاع، بما يكفى للحد من هذه الآثار. ومن هنا نستطيع أن نقول، أن الآثار القطعية الضارة للإشعاع أصبحت مستبعدة. أما احتمال حدوث آثار ضارة عشوائية، فهى تقتصر على مستويات إشعاعية تعتبر مقبولة، وهى تعتمد على الظروف المحيطة بها. وفي حال حدوث أي حادثة، والتى قد تتسبب في أن يكون مصدر الإشعاع غير خاضع للسيطرة بالكامل، فهناك احتياطيات أمان وتخطيط كامل لأحكام الأمان في المحطة، كما أن هناك إجراءات وقائية خارج المحطة تعمل على تخفيف الأضرار التي قد تلحق بالأفراد والسكان والبيئة.

هناك مجموعة للوقاية الإشعاعية في المحطة، تقوم بوضع إجراءات مكتوبة لمراقبة وتوجيه وحماية الأفراد، وكذا القيام برصد روتيني للظروف الإشعاعية داخل المحطة، ومراقبة تعرض العاملين بالمحطة للإشعاع، وأيضا رصد الانبعاثات المشعة للنفايات السائلة.

مجموعة الوقاية الإشعاعية وهى تحت قيادة إدارة المحطة، يقدمون خدمة شاملة للوقاية من الإشعاع أثناء التشغيل العادى للمحطة وأثناء تحميل شحنة الوقود السنوية. ويشمل هذا مراقبة الموظفين وسجلات الجرعة، وقياس مستويات الإشعاع في المناطق الرئيسية، وقياس النفايات السائلة المشعة من المحطة، ومراقبة تنظيف وتطهير المناطق الملوثة من التلوث وإعداد النفايات المشعة للتخزين أو للتخلص منها، والإشراف ومراقبة دخول الأفراد إلى مناطق الإشعاع. وكذا هم مكلفون بمسؤوليات وواجبات جسام في حالات الطوارئ. وكذا فهناك بعض الواجبات والمسؤوليات للوقاية من الإشعاع، يتحملها فريق التشغيل والصيانة، وذلك بعد التدريب المناسب.

حسب الضرورة يكون الاتصال مباشرة ما بين مجموعة الوقاية الإشعاعية وبين قيادة المحطة لتقديم المشورة بشأن تأمين تنفيذ إجراءات الوقاية من الإشعاع. ويتم تحفيز الأفراد العاملين فى المحطة من قبل إدارة المحطة ومن قبل مجموعة الوقاية الإشعاعية للسيطرة والحفاظ على الجرعة الروتينية الخاصة بهم لتكون منخفضة قدر الإمكان. ولبعض أنشطة الصيانة والإشراف داخل المحطة هناك معدات خاصة يتم توفيرها للمساعدة في الوقاية من الإشعاع.

وحدة قياس جرعة الإشعاع الممتصة في الأنسجة هى “السيفرت” وهى تأخذ في الاعتبار الآثار البيولوجية للأنواع المختلفة من الإشعاع وتشير إلى الجرعة المكافئة. وهى تشير إلى الجرعة الممتصة المتراكمة مع مرور الوقت، في حين يعتمد الضرر (أو التأثير) على معدل الجرعة الفعلي، على سبيل المثال مللى سيفرت فى اليوم أو فى السنة.

يبلغ متوسط الجرعة التي نتلقاها جميعاً من إشعاع الخلفية الطبيعية حوالي 2.4 مللي سيفرت فى السنة، وهى تختلف تبعاً لجيولوجية الأرض والارتفاع عن الأرض، فهى تتراوح ما بين 1 إلى 10 مللي سيفرت فى السنة، ويمكن أن تصل إلى أكثر من 50 مللي سيفرت فى السنة.

من أجل أن يشعر العامل فى المحطات النووية بأثر صحي ضار بسبب الإشعاع، أو بمعنى آخر، يعانى من أعراض حادة، يجب أن يتعرض العامل لجرعة إشعاع أكبر من 100 مللى سيفرت فى السنة.

لكننا نجد الحد الأقصى للجرعة السنوية المسموح بها للعاملين في مجال الإشعاع ومنها المحطات النووية هى 20 مللي سيفرت فى السنة، وعلى الرغم من أنه في الممارسة العملية، عادة ما تكون الجرعات أقل من هذا المستوى بكثير، فمتوسط ​​الجرعة القابلة للقياس من التعرض للإشعاع لكل عامل كانت فى بعض المحطات النووية 0.19 مللي سيفرت، وهى أقل من 12 مرة من إجمالي الجرعة السنوية التي يتلقاها الجمهور من إشعاع الخلفية الطبيعية.

بالمقارنة، يبلغ متوسط الجرعة التي يتلقاها الجمهور من الطاقة النووية 0.0002 مللى سيفرت فى السنة، وهى أقل من 10000 مرة من إجمالي الجرعة السنوية التي يتلقاها الجمهور من إشعاع الخلفية الطبيعية.

وبالتالي، فإن التعرض لتأثير صحي بسبب التعرض للإشعاع أمر غير مرجح للغاية أن يحدث، إلا إذا وقع حادث في محطة الطاقة النووية. وهكذا نستطيع أن نقول، ما لم يحدث حادث مثل تسرب مواد مشعة من المحطة، لا تؤثر الإشعاعات الصادرة من التشغيل الطبيعى للمحطة على صحة العمال، وبالتالى فالمشاكل الصحية لعمال محطة الطاقة النووية تشبه تلك المشاكل التى يقابلها العمال العاديون فى أى مهنة أخرى.

أشكركم وإلى أن نلتقى فى مقالة أخرى لكم منى أجمل وأرق التحيات.

 

احصائيات كورونا في مصر اليوم
17

الوفيات الجديدة

الحالات السلبية

126

الحالات الجديدة

5787

اجمالي اعداد الوفيات

90332

عدد حالات الشفاء

102141

اجمالي اعداد المصابين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى