منظومة الصحة .. في غرفة "الإنعاش"

وزير الصحة

2017-08-10 14:03:59
محمد عيد

الاجتماع الموسع الذي عقده الرئيس عبد الفتاح السيسي قبل أيام لمناقشة وضع القطاع الصحي في مصر، لم يأت من فراغ، فهذا القطاع الذي يمثل أحد أبرز دعائم أية تجربة إصلاحية يعاني خللا كبيرا، بعدما تراكمت مشكلاته على مدى عقود، الأمر الذي باتت معه “المسكنات” ضربا من العبث.

المنظومة الصحية في البلاد باتت من الاهتراء والخلل ما يستوجب البحث عن حلول جذرية، ربما يكون من بينها قانون التأمين الصحي الجديد، الذي تستعد الحكومة لطرحه للحوار المجتمعي، ومن ثم إحالته للبرلمان خلال الفترة المقبلة.

وعلى الرغم من أن الدستور الحالي أكد فـي عـدة مـواد، منهـا المادة ١٨ على الحق في الرعاية الصحية وألزم الدولة بتخصـيص نسـبة مـن الإنفـاق الحكومي للصـحة لا تقـل عـن ٣% مـن النـاتج القومي الإجمالي تتصاعد تدريجيًا حتى تتفق مع المعدلات العالمية، إلا أن تلك النسبة لم يتم الوفاء بها منذ تم إقرار الدستور عام ٢٠١٤، لضخامة المبالغ المطلوبة.

وقد بلغت  موازنـة قطـاع الصـحة لعـام 2017/ 2018، ٥٤ مليـار جنيـه، بنسبة ١٫٣٤% مــن النــاتج المحلي الإجمالي المتوقع، بينمـا كان المفترض أن تبلغ وفق المخصصات الدستورية ١٠٣مليار جنيه.

ووفق تلك الأرقام، تعتبر مصر من أقل الدول إنفاقاً على الصحة، رغم أن المعدل الدولي الذي تم إقراره في قمة الألفية بالأمم المتحدة هو 15% من الناتج القومي الإجمالي، وقد أقرت قمة أبوجا التي وقعت عليها مصر عام 2001 هذا المعدل، وحتى بالمقارنة مع دول أقل من مصر في المستوى الاقتصادي والتنموي، نجد أن المقارنة ليست في صالح مصر، فأفغانستان على سبيل المثال، توجه نحو 7.6٪ من ميزانيتها للرعاية الصحية، والعراق 8.4%، وبوروندي 11.7%، كما أن الكثير من المؤشرات في هذا المجال ليست في صالحنا، حيث تبلغ نسبة الأسرة إلى السكان في مصر 1.6 سرير لكل 1000 مواطن، بينما تبلغ النسبة فى الهند 5 أسرة، وفى الولايات المتحدة 10، وفى السويد 12.

وقد انعكست كل تلك المؤشرات التي تكشف حجم الصعوبات التي يعانيها قطاع الصحة في مصر على ترتيب مصر دوليا، فاحتلت عـام ٢٠١٤ المركـز رقـم ٩٧ مـن ضـمن ١٤٤ دولـة فـي تحقيق المتطلبات الأساسية من الصحة والتعليم الأساسي، كما جاءت عـام ٢٠١٦ في المركز ١٨٦ من ٢٢٠ دولة من خلال إحصائيات موقـع نومبيـو المخـتص برصـد رفاهيـة الـبلاد والـدول مـن خلال عـدة مؤشرات.

وقد شكّل قرار تحرير سعر الصرف عبئا إضافيا على قطاع الصحة، فحتى تلك المخصصات المالية المتقلصة، تراجعت قيمتها تحت ضغط تراجع العملة المحلية، فنحو ٦٠% مــن الاحتياجات الطبية والدوائية المحلية تغطيهــا الشركات الدولية، بينما تغطي الشركات المصرية الخاصة ٣٤%، فيما توفر شـركات القطـاع العـام ٤% فقــط من الاحتياجات.

ولا يخفى على أحد ما يعانيه قطاع الصحة في مصر من أزمات مستحكمة من ضــعف المخصصات المالية، وتدني الخدمات المقدمـة، وصولًا إلى نقص الأدوية، وكذلك نقص أعداد الطواقم الطبية، فبحسب إحصائية للمركـز المصـري لحماية الحق فى الدواء تفتقر 60% مــــن المستشـفيات الحكوميـة للخدمات الأوليـة للرعاية الصحية، الأمر الذي بات سببا رئيسيا لإنتعاش القطاع الطبي الخاص، الذي لم يستطع رغم تزايد الطلب عليه أن يتحول إلى قطاع اقتصادي وخدمي حقيقي، يعمل وفق معايير جودة عالمية، ولم يتجاوز كونه مجموعة من المشروعات الاستثمارية الخاصة، وهو ما يكرس الخلل في المنظومة الصحية بشكل عام بجناحيها الحكومي والخاص.

ويبدو الرهان اليوم على قانون "التأمين الصحي الإجتماعي الشامل”، الذي يُنتظر صدوره قريبًا بعـد عرضه على البرلمان، ويهدف إلى تحقيق تغطية صحية شاملة لجميع فئات المجتمـع، لينـدرج تحتـه فئات من المجتمع كانت محرومة من التواجد تحت مظلته كالعمالة غيـر المنتظمـة أو المؤقتة أو الموسمية، والتي يعمل بها العديـد مـن الأفـراد الـذين لا يسـتطيعون تغطية نفقاتهم الصحية، فضلا عن إمكانية انضمام المؤسسات الطبية الخاصة لتقديم الخدمات التأمينية، وهو ما يمكن أن يسد فراغا ملموسا في الخدمات المُقدمة.

وفي المقابل علينا ألا نفرط في التفاؤل، فالقانون الجديد لن يكون “عصا موسى”، لتغيير الأوضاع رأسا على عقب، لكن الأمر يتطلب رؤية متكاملة لإعادة بناء منظومة الصحة، وفق إرادة سياسية حقيقية لإنقاذ هذا المرفق الحيوي، والذي يمكن إذا ما أُحسن استغلاله، أن يتحول إلى مورد اقتصادي ينتفع منه المواطن، وينتعش به الاقتصاد.

 

منظومة الصحة .. في غرفة "الإنعاش"
اطبع الخبر
© 2017 حقوق الطبع والنشر محفوظة | MisrAlbalad.com
Powered by Nile Multimedia