نبض الشارع

الدكتورة سهير صفوت تكتب عن تسيّب الشارع المصري وانفلات الأخلاق

تهميش أعداد هائلة من الشباب خارج سياسة العمل أبرز أسباب الأزمة

 

الشـــــارع المصـــري.. وانفلات الأخلاق

أزمة أخلاق أم أخلاق الأزمة ؟

بقلم/ د. سهير صفوت

 

إن معيار تحضر المجتمعات يقاس بمدى تمسّكها بالأخلاق.. ولما كان الشارع يمثل البيئة الحيوية للتفاعل الاجتماعي الذي يعكس القيم الرصينة التي تشكل الضمير الجمعي لأي مجتمع، فإن تمسك هذا الشارع بالأخلاقيات يعد مؤشرا مهما على تمسك المجتمعات بها، والعكس بالعكس…

والمتأمل لحال الشارع المصري يلمس حالة من الإنحراف الأخلاقي بين الكثير من طوائفه وهذا ما نلحظه في ارتفاع معدلات الجريمة ، ومن أهمها: التحرش الجنسي، وشيوع حالة من عدم الأمان بين الفتيات.

وبمقارنة المشهد الواقعي للشارع المصري في حقبة الستينات وحقبة الألفية الثالثة، نجد أن الحقبة الأولى تعبر عن نسق اجتماعي وأخلاقي يتسم بالتكامل والتوازن، حيث يشترك أعضاؤه في مجموعة من العواطف والقيم المشتركة التي تشكل الضمير الجمعي، ويوفر هذا الاشتراك إحساساً بالتضحية وقابلية لأدائها في سبيل الآخر وهو ما يعرف بالشعور الغيري، هذا الشعور الذي يعبّر عن سيادة التوازن الأخلاقي مع وجود نسبة قليلة من الانحراف، لأننا لا نستطيع تخيل مجتمع يسوده التكامل التام.

 ذلك أنه توجد طاقة انحرافية لازمة للمجتمع باعتبار أن درجة الانحراف تعكس درجة الاستقرار والتماسك أو عدم التماسك، أي أن انخفاض الانحراف الأخلاقي يعتبر دليلا على تماسك المجتمع واستقراره، وعلى العكس من ذلك يصبح ارتفاع نسبة الانحراف الأخلاقي مؤشراً لانهيار المجتمع.

تلكم هي الحالة التي يتسم بها الشارع المصري في عصرنا الحالي حيث يعاني من حالة انفلات أخلاقي وانحراف قيمي أو ما يمكن تسميته «فقدان المعايير»!!

وفي إطار ذلك اتسمت الأخلاق في الشارع المصري بالتخلّي عن المسئولية الاجتماعية والاخلاقية التي كان يتسم بها من قبل، فضاعت قيم المروءة والشهامة وحلت محلها قيم الفردية والأنانية، وغابت قيم التسامح والبساطة وسادت قيم التعصب، والتّجهم، وضيق الخلق.

تحللت المنظومة الأخلاقية وتبدلت بمنظومة لا أخلاقية تسودها الألفاظ البذيئة، وانعدمت علاقات الجيرة وانكفأت الشخصية المصرية على ذاتها، وساد التسيّب والعنف إلى جانب حالات الغضب التي يتبعها روح الفوضى والعشوائية في الكثير من السلوكيات.

هذه الحالة الانحرافية تعبّر عن أزمة يعاني منها الشارع المصري وتثير إشكالية تتعلق بتساؤل مهم يطرح نفسه علينا: ما يمر به الشارع المصري هل يعبر عن أزمة أخلاق أم أن هناك أسباباً أسهمت في وقوع المجتمع المصري في أزمة أمست لها أخلاقاً تعبر عن هذا الواقع المأزوم وتبدو في تصرفات أفرادها ؟

إن تحليل المشكلة الأخلاقية للواقع المصري يكشف عن نوعين من العوامل أسهمت في وضع المصريين ونسقهم الخلقي في أزمة وهذه العوامل يمكن تقسيمها إلى:

عوامل داخلية بنائية أي نفسية ولها خصوصيتها التي يتسم بها المجتمع المصري دون غيره من المجتمعات.

وعوامل خارجية فُرضت عليه بوصفه جزءاً من المجتمع العالمي يشاركه تطوره ومشكلاته وتحدياته.

أما العوامل الداخلية فتتمثل في عدة أسباب يتمثل الأول في خصوصية المجتمع المصري من حيث عدد سكانه، حيث التزايد السكاني والكثافة السكانية العالية التي اقتربت من المائة مليون، هذا التزايد للسكان -في ظل هذه العشوائية- يؤدي إلى تخلف ميادين الحياة وضعف فرص التعليم، وزيادة البطالة، وارتفاع الحرمان البشري وزيادة العشوائيات وهو ما يسهم في خلق الفوضى الأخلاقية التي تكون أداة للانحراف وموجهاً له.

   أما السبب الثاني فيتمثل في ضياع هوية المصريين بين أنظمة سياسية متباينة في فترة زمنية متعاقبة وقصيرة دون تدرج في اختيار النظام، وتمثل ذلك في تبنى الدولة لمنظومة النظام الاشتراكي بما يتضمنه من قواعد اقتصادية وسياسية في حقبتي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، ثم التحول عنها إلى نظام السوق المفتوحة في حقبة السبعينيات دون دراسة واعية لطبيعة المجتمع، وهو ما دفع المصريين من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، هذا الدفع الذي نتج عنه اختلال المنظومة القيمية وضياع معيار الحكم على السلوك وسيادة حالة من اللامعيارية.

أما السبب الثالث في فقد تمثل في الهجرة النفطية إلى بلاد الخليج في فترة السبعينيات والتي كانت أحد الدعائم التي أسهمت في تشويه بنية القيم الأصيلة من خلال ترسيخ قيم الاستهلاك، وهو ما أدى إلى طغيان القيم المادية وما يتبعها من قيم الفردية والأنانية وقيم “الاستسهال”، والكسب من دون مجهود والثراء السريع… كل ذلك وغيره أدى إلى تأسيس حالة من الفساد والتدهور الخلقي والذي يبدو في أفعال وسلوكيات يشهدها ويشهد عليها واقع الحياة اليومية في الشارع المصري.

وتأتي سياسات العولمة لتمثل العوامل الخارجية التي أدت إلي إحداث تغيرات اجتماعية واقتصادية وفلسفية، أثرت بشكل أكبر على منظومة القيم وتماسكها خاصة في ظل الثورة الاتصالية التي أحدثت انفتاحا ثقافيا وقيميا على المجتمع العالمي أدى إلى إدخال مفاهيم قيمية جديدة على ثقافة الشارع المصري وأسس للإباحية وللقيم اللأخلاقية، ولم تتوقف تأثيرات العولمة، وتحدياتها عند هذا الحد؛ بل كانت لها آلياتها الاقتصادية وسياستها التي دعمت وجودها فكانت سياسة الخصخصة تلك التي دفعت بأعداد كبيرة خارج المنظومة العملية، بالإضافة إلى قيم التنافسية التي رسخت لها العولمة حيث أصبح العمل نصيب من يمتلك مهارات تكنولوجية عالية، وهو ما أسهم في تهميش أعداد هائلة من الشباب خارج سياسة العمل ودفعتهم إلى البطالة في ظل نظام تعليمي يعاني من القصور والانتكاسات.

وفي ظل البطالة زاد “التسكع” وزاد التحرش، وأصبح الشارع رمزاً للصراع.. الكل يريد الاستيلاء عليه، الكل يريده مقراً للانحراف فكان الاغتصاب، والسرقة، وإدمان المخدرات، وأطفال الشوارع والتي هي تعبير عن قمة الانفلات والانحراف الأخلاقي.

وفي ظل التسابق المادي تنازلت مؤسسات التنشئة الاجتماعية عن دورها، فتنازلت الأسرة عن دورها الأساس ووظيفتها في غرس المنظومة الأخلاقية والقيمية في نفوس النشء وأصبحت المؤسسة التعليمية مرتعاً لتأكيد القيم المادية وقيم “الفهلوة” والكسب السريع والتخلي عن المبادئ والضمير من خلال تأكيد المعلم على الدروس الخصوصية وهو ما أضاع هيبته في نفوس التلاميذ كقدوة ومثل يحتذى به.

وجاءت المؤسسة الإعلامية (التلفزيون – الفضائيات – السينما) وهي التي كان من المفترض أن تسهم في تكوين المنظومة القيمية للنشء، جاءت –للأسف- لتؤكد على الكثير من القيم اللاأخلاقية، بل وتجعل منها الأساس في التعامل، معتمدة على الإعلان الذي وظف المرأة لتحقيق أغراضه، فوظف العرى لتعميق القيم الاستهلاكية.. وكانت الكليبات والمسلسلات التي أسهمت في تسطيح الأفكار وتزييف وعي المواطن وهو ما أدى في النهاية إلى انحطاط الذوق المصري وتدني أخلاقياته.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل عانى المجتمع المصري -في ظل سياسات العولمة وضغوط صندوق النقد وغيره- من زيادة معدلات الحرمان المادي وارتفاع معدلات الفقر وانعدام العدالة الاجتماعية وهو ما جعل المجتمع المصري وفئاته تعيش حالة من “الانضغاط” الذي يصاحبه سلوك عدواني ويجعل المواطن العادي منفلتاً في تصرفاته وأخلاقه وهو ما أضفى على التصرفات سمة العشوائية والأنانية فسقطت الثقة وانتشرت حالة من عدم الثقة على مستوى المجتمع في الأسرة، بين الزوج وزوجته، وفي المدرسة، بين  الطالب وأستاذه، وفي الدولة بين الحاكم والمحكوم وهو ما أدي إلى ارتفاع نسبة اللاأمان والعنف التي أصبحت تميز سلوكيات الكثير من المصريين في هذا العصر والتي يعكسها بوضوح الشارع المصري المعاصر.

وهكذا أدت العوامل الداخلية والعوامل الخارجية إلى اهتزاز وزعزعة منظومة القيم وتفسّخ الأخلاق ومن ثمَّ سادت حالة من اللامعيارية أو ما يصطلح عليه سوسيولوجياً بحالة الأنومي في الشارع المصري، فالأنومي يفترض أن البيئة التي تتضمن الأفراد يمكن النظر إليها باعتبارها تتضمن البناء الثقافي من ناحية والبناء الاجتماعي من ناحية أخرى، والبناء الثقافي -باعتباره يضم مجموعة من القيم المعيارية المنظمة التي تضبط السلوك- هو تلك المعايير الشائعة بين أعضاء جماعة أو مجتمع معين..

أما البناء الاجتماعي فهو مجموعة العلاقات الاجتماعية المُنظمة التي يشترك فيها أعضاء الجماعة أو المجتمع بصورة مستمرة ومن ثم يُدرك الأنومي باعتباره يشير إلى إنهيار البناء الثقافي وهو الانهيار الذي يقع بصفة خاصة حينما يكون هناك انفصال حاد بين المعايير والأهداف الثقافية من ناحية وبين أساليب أعضاء الجماعة التي يسيّرها البناء الاجتماعي لتحقيق هذه الأهداف، وهو ما يعني أن مفهوم الأنومي يشير إلى انهيار المعايير الاجتماعية التي تضبط السلوك بل تفقد مصداقيتها وشرعيتها ، فيفقد الأفراد المعايير التي من خلالها يتم الحكم على شرعية سلوك معين أو عدم شرعيته فلم يعد يُحدد ما هو السلوك المُحرّم ؟

وفي ظل هذه الحالة اللامعيارية تضيع الفضائل الأخلاقية ويصبح التمسك بها من قبيل الوجاهة وتعلو قيم الشطارة والفهلوة ويهون مبدأ الشرف والتضحية ويصبح الالتزام بالوعد والأمانة وصيانة الأعراض نوعاً من السفه الذي لا يلتفت إليه، وهكذا يعكس الشارع المصري في تفاعلات أفراده اليومية آثار الأزمات التي تعرض لها وصنعت أخلاقاً جديدة للشعب المصري أصبحت من سماته وجزءاً من تركيبته القيمية والأخلاقية…!!

ولإعادة النظام إلي الشارع المصري ينبغي توطيد الصلة والتضامن بين الدولة من جهة ومؤسسات المجتمع المدني من جهة آخري من أجل إعادة الثقة في نفوس الناس، وتبنّي سياسات اجتماعية تتسم بالعدالة والشفافية، وتوفير الحياة الكريمة للمواطن، فضلًا عن مساندة الشباب مساندة فعلية والاستفادة من طاقتهم وحمايتهم لا التغرير بهم ودفعهم للمجهول.

ومن هنا فإنني أدعو المؤسسات المعنية لدراسة هذه الظاهرة الخطيرة لاستعادة أخلاقنا وقيمنا من جديد…

           

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق