مقالات والابداع

الزيت الصخري “النفط الضيق”

بقلم – الدكتور على عبد النبى:

أودع الله في الإنسان من قوّة العقل التي أهلته لسيادة هذا العالم والتّغلّب على مصاعبه. وقد مكن الله سبحانه وتعالى الإنسان في الأرض، وجعل له فيها وسائل استبقاء الحياة، وترف الحياة، وزينة الحياة. فلم تبخل الأرض حين حرثها الإنسان، بل أخرجت له الزرع. ولم تبخل الأرض حين نقب الإنسان فى باطنها، بل أخرجت له معادنها. فالإنسان مُمَكَّن، وكل شيء مستجيب له.

من باطن الأرض يتم استخراج النفط الخام crude oil التقليدي، فهو متواجد فى صخور حبيباتها خشنة نسبيا وقابلة للاختراق، وكذا فى الصخور الرسوبية المسامية مثل الحجر الرملي والحجر الجيري. ووقوع النفط تحت الضغط الطبيعي لطبقات الأرض، يدفعه إلى الخروج من باطن الأرض، وكذا من خلال الآبار التي يتم حفرها رأسيا. وفى حالة وجود مشاكل تمنع خروج النفط تستخدم بعض التقنيات مثل سحب وضخ النفط من الآبار أوتوماتيكياً.

أما الزيت الصخرى (النفط الضيق)، هو نفط خام تقليدى، ولكنه محاصر داخل تكوينات أو تشكيلات صخرية رسوبية ذات مسامية ونفاذية منخفضة للغاية، والزيت -بالقطع- لا يكون قادراً على الهجرة ويظل حبيس هذه التشكيلات الصخرية، كما أنه لا يمكن أن يتدفق إلى السطح بسهولة، مما يجعل من الصعب استخراجه بالطرق التقليدية. واستخراج الزيت الصخرى يتطلب استخدام تقنيات غير تقليدية، حيث تستخدم تقنيات حفر حديثة ومعقدة وباهظة الثمن لم تكن مستخدمة من قبل، مثل التكسير الهيدروليكي والحفر الأفقي، وقد تكون هناك حاجة لاستخدام مواد كيميائية لإضفاء مزيد من السيولة للزيت في حالة الزيت عالى اللزوجة.

لا نخلط بين الزيت الصخري والصخر الزيتي. فالصخر الزيتى هو الصخر المشبع بالكيروجين، والكيروجين هو مادة عضوية صلبة، وهو بداية مرحلة تكوين النفط الخام، ولكنه لم ينضج بعد، فلم يتحول إلى نفط خام تقليدى أو غاز طبيعى تقليدى. هناك بعض الجهات، تطلق على الزيت الذى يتم الحصول عليه من تسخين الكيروجين “الزيت الصخري”، ونحن في هذه المقالة لا نقصد ذلك. وللتوضيح، فهناك بعض الجهات توصى باستخدام مصطلح “النفط الضيق” tight oil على الزيت الصخرى حتى يتم التمييز بينه وبين الزيت الناتج من تسخين الكيروجين.

وينظر عادة إلى إنتاج الزيت الصخرى على أنه أكثر تكلفة من إنتاج النفط التقليدي، ومن المرجح أن يتسبب في المزيد من الأضرار البيئية. ونتيجة لأن الطلب العالمي متزايد باستمرار على النفط الخام التقليدى، ونتيجة تقلص عرضه في السوق، جعل المزيد من الشركات تتحول إلى النفط غير التقليدي (الزيت الصخرى). في هذه الأثناء، أدى التقدم في التكنولوجيا، خاصةً التكسير الهيدروليكي والحفر الأفقي، إلى جعل استخراج الزيت الصخرى أكثر سهولة عن ذي قبل، وانخفضت تكلفة الاستخراج.

التشكيلات الصخرية الرسوبية والمخزن فيها الزيت الصخرى غير متجانسة، وتتنوع بشكل كبير حتى في حدود المسافات القصيرة. ويمكن تقسيمها إلى أربع مجموعات مختلفة. النوع الأول، ذو مسامية ونفاذية ضعيفة جدا. والنوع الثاني، ذو مسامية ونفاذية منخفضة. والنوع الثالث، ذو مسامية مجهرية، فالمسامية هنا تعتبر عالية، لكن مع نفاذية منخفضة. والنوع الرابع، ذو مسامية ونفاذية عالية.

بدأت تكنولوجيات استخراج الزيت الصخرى بالحفر العمودى في باطن الأرض، ولمسافات قد تصل إلى عدة كيلو مترات، حيث تتواجد طبقات الصخور الرسوبية الخازنة للزيت. ثم يتم تكسير هذه الصخور هيدروليكيا، وذلك من خلال ضخ دفعات متكررة ومستمرة من المياه المضغوط ضغط عالى ومع الرمل وبعض الكيماويات لكسر الصخر وإطلاق الزيت. الرمل يحافظ على الكسور لتظل مفتوحة، وهذا يسمح للزيت بالتسرب إلى البئر. ثم تطورت هذه الطريقة، وأصبح يستخدم التكسير الرأسي متعدد المراحل، بحيث يتم تقسيم طبقة الصخور رأسيا إلى مناطق، وكل منطقة يتم تكسيرها منفردة، بهدف زيادة عدد الشقوق على طول الطبقات الرسوبية، وذلك بهدف زيادة كمية الزيت المتدفقة إلى البئر.

الاقتصاديات مهمة جدا في المشاريع. ولتخفيض سعر برميل الزيت المستخرج من البئر، يلزم زيادة كميات الزيت المستخرجة. فلا يكتفى بفتح تشققات على طول طبقة الصخر في الاتجاه العمودى، بل كانت الفكرة في فتح تشققات أيضا في الاتجاه الأفقى على طول امتداد الطبقة أفقياً، وتم التوصل إلى تطوير تكنولوجي ثاني، وذلك من خلال الحفر الأفقي على طول امتداد طبقة الصخر. فبعد الحفر الرأسي للبئر والوصول إلى طبقة الصخر، يتم تغيير اتجاه الحفر بزاوية 90 درجة، والحفر افقيا لمسافات طويلة قد تصل إلى عدة كيلومترات. ثم يتم تقسيم المنطقة على طول مسار الحفر الأفقى إلى عدة مناطق يتم فيها التكسير الهيدروليكي، حيث يكون التكسير في كل منطقة بشكل مستقل، وقد يصل عدد مناطق التكسير لأكثر من 20 منطقة، مما يتيح إنتاج كميات كبيرة من الزيت.

وتعتبر بيئة الترسيب التي ترسبت فيها الصخور الخازنة للزيت الصخرى من العناصر المهمة، فنجد الصخور الرسوبية البحرية تحتوي على نسبة طين قليلة، وأنها غنية بالمعادن الهشة مثل الكوارتز والفلسبار والكربونات، فهى أكثر هشاشة، وبالتالي فهى تستجيب للتكسير الهيدروليكي. أما الصخور الرسوبية التي ترسبت في المياه العذبة، مثل البحيرات والأنهار، نجدها تحتوى على نسبة طين عالية، وتكون أكثر لدونة وبالتالي تكون أقل استجابة للتكسير الهيدروليكي.

كذلك يعتبر عمق الصخور الرسوبية الخازنة للزيت الصخرى من العناصر الهامة في عملية استخراج الزيت الصخرى، فالمناطق التي يقل عمقها عن 1000 متر، تعانى من انخفاض ضغط الخزان، وبالتالي تقل قوة الدفع التي تسهل استعادة الزيت والغاز من البئر. والمناطق التي يزيد عمقها عن 5000 متر لديها مخاطر انخفاض النفاذية وارتفاع تكاليف الحفر وتطوير وتنمية البئر.

والمياه ضرورية في عمليات إنتاج الزيت الصخري shale oil، وكمية المياه وجودتها تختلف طبقا للتكنولوجيا المستخدمة في الحفر والتكسير. وتستخدم المياه في عمليات تبريد المعدات، وفى عملية استخراج الزيت، ومكافحة الغبار والاحتياجات الحياتية للعاملين بموقع العمل والشركات الداعمة للمشروع.

ومتوسط استهلاك المياه المباشرة والمستخدمة في استخراج الزيت من البئر هو 1.7 برميل من المياه لكل برميل من الزيت الصخري المنتج، وهى تختلف تبعاً لاختلاف تكنولوجيات استخراج الزيت الصخري. كما تختلف نوعية المياه المطلوبة من موقع لموقع، ويمكن أن يأتي الكثير من المياه من مصادر مياه غير صالحة للشرب.

وتختلف كمية المياه اللازمة للتكسير في بئر فردي بشكل كبير بين المناطق وبعضها. ويستهلك التكسير ما بين 500 متر مكعب إلى 100 ألف متر مكعب من المياه لكل بئر.

يعتمد حجم الماء المطلوب للتكسير في البئر على عدة عوامل، منها: التكوين الجيولوجي، وخصائص الصخور الخازنة للزيت (سمك، هشاشة ، إلخ)، طول البئر، وعدد مناطق التكسير. تلعب جميع هذه المتغيرات دوراً في كمية المياه المستخدمة في تكسير البئر. لاحظ أن الآبار الأفقية يمكن أن تمتد من 2 إلى 3 كيلومترات بحيث تحتوي على عدة مناطق تكسير.

إذا كانت هذه الآبار الأفقية الطويلة في طبقات صخرية سميكة (يزيد سمكها عن 300 م)، في هذه الآبار عادة ما تكون عمليات التكسير أكبر حجماً، وتحتاج لكمية مياه كبيرة، تصل إلى 100 ألف متر مكعب لكل بئر. وفى حالة الرمل الضيق الرقيق قد تتراوح كمية المياه من 500 إلى 2000 متر مكعب لكل بئر.

خارج الولايات المتحدة وكندا، قد تكون تنمية موارد النفط الصخري (النفط الضيق) محدودة بسبب عدم توافر حفارات لحفر آبار، فإن ثلثى منصات الحفر الشغالة في العالم نجدها في الولايات المتحدة وكندا، كما أن الحفارات في الأماكن الأخرى قد تكون غير مجهزة للحفر الأفقي. وقد أظهرت الدراسات الميدانية، أن متوسط الإنتاج من الزيت الضيق لبئر نفط ضيق يبلغ حوالي 500 برميل في اليوم، وهناك بعض الحقول والتي تتكون من العديد من الآبار تنتج أكثر من 750 ألف برميل فى اليوم. ولذلك، فتطوير وتنمية حقل زيت صخرى يتطلب حفر عديد من الآبار (تكثيف الحفر)، لاستخراج كميات من الزيت تعطى مردوداً اقتصادياً كبيراً. وقد يعتبر ذلك عقبة بيئية في بعض الأماكن لا يمكن التغلب عليها. كما يعد سبباً للتوسع في حفر آبار كثيرة، ذلك أن كل بئر يجف بعد حوالي سنتين.

التكسير الهيدروليكي مثير للجدل لسببين: أولاً، أنه يستخدم الكثير من الموارد الطبيعية، مثل المياه. ثانيا، الآثار البيئية غير معروفة، فهناك خطورة من استخدام المواد الكيميائية، فربما يحدث تسرب لها إلى المياه الجوفية. كما أن معظم المياه الذي يتم ضخها في البئر تعود إلى السطح، وربما تكون هذه المياه قد تلوثت من مواد كيميائية مجهولة تحت الأرض. وربما يشمل ذلك كميات ضئيلة من المواد المشعة. والتكسير الهيدروليكي قد يسبب أيضا الزلازل، فضخ المياه تحت ضغط عالي، قد يؤدي إلى حدوث تحولات في خطوط الصدع والفوالق في منطقة الحفر، مما يؤدى إلى ارتفاع خطر الزلازل بشكل كبير.

استخراج الزيت الصخري يصبح مربحا عندما يبلغ سعر النفط الخام التقليدى 100 دولار للبرميل. وعندما تنخفض أسعار النفط الخام في السوق العالمى إلى 60 دولار، فهناك بعض الشركات وخصوصا في أمريكا توقف عملية التكسير الهيدروليكي في الآبار الأفقية، وتوقف عملية استخراج النفط من الآبار، ولكن تستمر هذه الشركات في حفر آبار جديدة. وتسمى هذه الآبار “أبار محفورة وغير مكتملة”  drilled but uncompleted DUCs، بمعنى “حفر وتغطية”. ويمكنهم الانتظار وكلهم أمل في عودة أسعار النفط إلى 60 دولار للبرميل. عند هذه النقطة، يمكنهم البدء من جديد لاستخراج الزيت من الآبار التي حفروها بالفعل.

أهم التشكيلات الجيولوجية التي يتواجد فيها الزيت الصخرى، نجدها في الولايات المتحدة في تشكيلات الطين الصفحى “باكن” Bakken  وتشكيل “نيوبرارا” Niobrara، والطين الصفحى “بارنيت” Barnett، والطين الصفحى “إيجل فورد” Eagle Ford . وفى سوريا نجدها في تشكيل “رماح” R’Mah، وفى منطقة شمال الخليج العربي نجدها في تشكيل “سارجيلو” Sargelu، في عُمان نجدها في تشكيل “آثل” Athel، وفى غرب سيبيريا في روسيا نجدها في تشكيل “أخيموف” Achimov وفى تشكيل “بازينوف” Bazhenov، وفي استراليا نجدها في حوض “أراكارينجا” Arckaringa، وفى المكسيك نجدها في تشكيل “شيكونتبيك” Chicontepec، وفي الأرجنتين نجدها في حقل “فاكا ميرتا” النفطي Vaca Muerta.

وعلى وجه العموم، نجد أن المخزون العالمي من الزيت الصخرى والغاز الصخرى في التكوينات الصخرية والقابل للاسترداد، يتواجد في أكثر من 41 دولة وهناك أكثر من 138 تشكيل صخرى من الطين الصفحى.

أشكركم، وإلى أن نلتقى فى مقالة أخرى لكم منى أجمل وأرق التحيات.

 

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق