السياحة والسفر

صحار العُمانية.. مركز حضاري وسياسي وفكري واقتصادي

كتب – سمير عبد الشكور:

يقاس تقدم الأمم بتاريخ حضارتها، وسلطنة عُمان لها تاريخ عريق وتراث تاليد بين الأمم، بفضل مدنها التاريخية، ولا تُذكر المدن العمانية إلا وتُذكر صحار باعتبارها واحدة من أهم المدن التي تمتاز بذاكرة تاريخية عريقة وحاضر مشرق شاهد على ازدهار عُمان في عهدها الحديث.

تحضر صحار في الذاكرة وفي الحاضر باعتبارها مركزا سياسيا وفكريا وحضاريا ومركزا اقتصاديا وسوقا من أسواق العرب منذ العصر الجاهلي قبل ظهور الإسلام، وكانت سوق صحار الشهيرة التي ورد ذكرها في كتب العرب وفي أشعارهم تقام في أول يوم من شهر رجب وتستمر خمسة أيام، والمتابع لكتب التاريخ يستطيع أن يقف على المكانة التاريخية والاقتصادية لصحار على مر العصور.

تمتاز مدينة صحار بموقعها الفريد على الشريط الساحلي لبحر عُمان ما أهلها لتلعب دورا رياديا في التجارة وتكون وسيطا بين الجزيرة العربية وبلاد الهند والصين ليس في التبادل التجاري فقط ولكن في التبادل الحضاري والثقافي.

عرفت صحار في التاريخ بالعديد من الأسماء والأوصاف فهي بوابة الدنيا، وقصبة بلاد العرب، وهي خزانة الشرق ودهليز الصين. ويبدو أن اسم مجان أو ماجان الذي عرفت به عمان ويعني جبل النحاس له علاقة بصحار حيث فيها كان يصهر النحاس.

واستقبلت عُمان الإسلام عبر بوابة صحار حيث وصلت رسالة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم إلى أهل عمان وكانت مقر حكم عبد وجيفر ابني الجلندى ملكي عُمان وشع نور الإسلام على كل ربوع عُمان ، ووصل إلى عُمان عمرو بن العاص وأبو زيد الأنصاري يحملان رسالة رسول الله إلى ملكي عُمان وذلك في السنة الثامنة للهجرة.

كانت وزارة التراث والثقافة بسلطنة عُمان، قد أعلنت منتصف ثمانينات القرن الماضي عن مكتشفات أثرية وجدت في قلعة صحار تعود إلى فترة ما قبل الإسلام وترتفع عن مستوى سطح البحر بحوالي 1.8م، ودلت اللقى الأثرية المكتشفة في مستوطنة القلعة على أن المدينة كانت مركزا تجاريا مرموقا حيث وجد خزف أسود مستورد من الصين.

تشير الدراسات التاريخية إلى أن اسم “صحار” ذُكر في كتب التاريخ كثيرا، حيث وصفها المقدسي في كتابه “أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم بأنها” قصبة عُمان ليس على بحر الصين بلد أجمل منه، وأضاف في وصفه لها “وهي دهليز الصين وخزانة الشرق والعراق”.

ووصفها الإصطخري في كتابه “المسالك والممالك” بأنها “هي أعمر مدينة بعمان وأكثرها مالا، لا تكاد تعرف على شاطئ البحر بجميع بلاد الإسلام مدينة أكثر مالا وعمارا من صحار” وفي كتاب صورة الأرض لابن حوقل قال واصفا صحار: “لا توجد في كل أنحاء العالم مدينة تضاهي صحار في ثراء تجارها”.

وقال الإدريسي متحدثا عن صحار “إن تجار البلاد يقصدونها في كل سنة بما لا يحصى عددهم.. وإليها تجلب جميع بضائع اليمن ويتجهز منها بأنواع التجارات، وأحوال أهلها واسعة وبها النخيل والموز والرمان والسفرجل وكثر من الثمار الطيبة”.

وتقول الموسوعة العمانية إن عثمان بن أبي العاص الثقفي قد استعان بالقوة البحرية العمانية عندما انطلق من صحار ومسقط لمهاجمة ساحل الهند الغربي في سنة 16 للهجرة، ولم تتأثر المدينة، رغم مركزيتها، بالحملات التي شنتها الدولة العباسية على عُمان في عهد الخليفة هارون الرشيد ولا في عهد الخليفة المعتضد بالله.

لكن كتب التاريخ تثبت تأثرها بهجوم القرامطة سنة 287هجرية، وبعد ذلك في سنة 362 وقعت صحار في يد أبي حرب بن طغان عضد الدولة بعد أن استطاع تخليصها من أيدي الزنوج وفق ما تذكر الموسوعة العمانية أيضا.

وتأثرت صحار كثيرا في منتصف القرن الثاني عشر الميلادي حيث توقفت تجارتها مع شرق أسيا وانتقلت التجارة إلى عدن وتذكر كتب التاريخ أنها كانت “خربة: في القرن الثالث عشر الميلادي حيث كانت التجارة قد تحولت إلى مدينة قلهات.

لكن أعيد بناء صحار مرة خرى وبدأت بالازدهار قبل أن يحتلها البرتغاليون في مطلع القرن السادس عشر الميلادي. لكن الإمام ناصر بن مرشد قد حررها منهم في عام 1643 ميلادية وعاد نشاطها التجاري وازدهارها الثقافي والحضاري.

وفي عام 1744 عندما استطاع الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي اخراج الفرس من صحار ومن ربوع عمان تأسست أسرة البوسعيد التي تحكم عُمان اليوم في هذه المدينة العريقة.

وأنجبت هذه المدينة الكثير من أعلام عمان أمثال الربيع بن حبيب الفراهيدي ومحبوب بن الرحيل ومحمد بن محبوب، وسلم بن مسلم العوتبي الصحاري والمختار بن عوف الأزدي المعروف بأبي حمزة الشاري.

وباتت مدينة صحار بفضل هذا التاريخ العريق، حاضرة من حواضر عُمان في العصر الحديث بقيادة السلطان قابوس بن سعيد، فهي اليوم واحدة من أهم المدن العمانية من حيث العمران ومن حيث النهضة في شتى المجالات الحياتية التي يعيشها الانسان العماني.

وبعد إنشاء ميناء صحار ازدهرت حوله التجارة والصناعة فتحول إلى واحد من أهم الموانئ على بحر عمان وبحر العرب، وأقيمت عشرات المصانع واستوطنت الصناعات الثقيلة، وتحول الميناء التجاري الذي كان في مسقط لصحار، وصارت كبريات السفن العملاقة في العالم ترسو على شاطئ صحار وعادت المكانة التاريخية للمدينة ولكن في قالب حديث.

وإذا كان شاطئ صحار من بين أجمل الشواطئ العمانية فإن قلعة صحار من بين أهم المعالم التاريخية ووصفها القائد البرتغالي البوكيرك في مذكراته بالقول “إنها قلعة مربعة الشكل بها ستة أبراج تحيط بها كما يوجد برجان كبيران عند البوابة، وتحتوي على آبار عذبة وتتسع ل300 جندي وكان يطوقها جدار”، وتضم القلعة ضريح السيد ثويني بن سعيد الذي حكم عمان في أواخر القرن التاسع عشر للميلاد، كما تضم متحفا يتحدث عن المدينة وتاريخها.

الزائر لمدينة صحار يجد بها الكثير من المعالم التي يمكن أن يرتادها خاصة المواقع الطبيعية مثل المواقع الأثرية في المناطقة الجبلية والأودية والعيون، إضافة إلى عشرات المجمعات التجارية الحديثة.

 

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق