مقالات والابداع

أبكر سليمان يكتب: فن الإختلاف

تعرفون ماذا يجب أن نفعل بالصراصير؟

ستّ كلمات قالها مذيع راديو «التلال الألف» المحلي في رواندا صباح الخميس 7 إبريل عام 1994، أطلقت شرارة إحدى أسوأ مجازر الإبادة الجماعية في التاريخ.
والتي خلفت حوالي مليون قتيل من أقلية التوتسي خلال 100 يوم ، واغتصاب 250 ألف امرأة، إضافة إلى ملايين المصابين والمشردين ، والتي صنفت كأسرع إبادة جماعية عرفها التاريخ .

اختلف صديقان على الرقم( ٨ )قال الاول (سبعة )
لكن الثاني رفض ذلك وقال: بل هي (ثمانية ) .
الاول على صواب ، وكذلك الثاني فكلاهما نظر من زاويته!

كم من الخلافات نقع فيها بسبب ما اقصده انا وما يفهمه الطرف الاخر ؟!
لم نتعلم منذ الصغر ان للحقيقة اكثر من وجه وان صوابي لا يعني ان الاخر على خطأ مع ان الاختلاف سنة كونية { وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) }. [هود] قالوا لنا ان هناك اجابة واحدة صحيحة لكل شيء وان ان هناك طريقة واحدة فقط لفعل اي شيئ مع ان الحياة والعلاقات الإنسانية تختلف تماماً ، لذلك فمن الممكن ان اكون على صواب ويكون الاخر على صواب ايضا فكل واحد منا له خلفيته القيمية والفكرية التي ينطلق منها ويستند عليها {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ ﴾ [الروم: 22].

يونس بن عبد الاعلى احد طلاب الامام الشافعي – اختلف معه في مسألة أثناء إلقائه درساً في المسجد، فقام يونس بن عبد الاعلى مغضباً، وترك الدرس، وذهب إلى بيته.
فلما أقبل الليل، سمع يونس صوت طرق على باب منزله، فقال يونس: من بالباب؟
قال الطارق: محمد..
قال يونس: فتفكرت في كل من كان اسمه محمد إلا الشافعي، فلما فتحت الباب، فوجئت به!!.
فقال الامام الشافعي: يا يونس تجمعنا مئات المسائل، وتفرقنا مسألة؟!!.

من النادر جداً ان نتعلم شيئا ً جديداً من اولاءك الذين يتفقون معنا في كل شئ!!
او كما يقول الجنرال جورج اس تون ” اذا كان الجميع يفكرون بنفس الأسلوب فلا أحد يفكر”

من الصعب جدا بل من النادر ان تجد من يقر لك بأخطاه ويتراجع عنها اذا عرف الصواب فذلك من فعل الشجعان فهذا الفاروق عمر رضي الله عنه وقف يوما خطيباً على الناس وقال: أيها الناس ما إكثاركم فى صداق النساء وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وإنما الصدقات فما بينهم أربع مائة درهم فما دون ذلك، ولو كان الإكثار فى ذلك تقوى عند الله أو كرامة لم تسبقوهم إليها فلا أعرفن ما زاد رجل فى صداق امرأة على أربع مائة درهم، قال: ثم نزل فاعترضته امرأة من قريش فقالت: يا أمير المؤمنين نهيت الناس أن يزيدوا فى مهر النساء على أربع مائة درهم؟ قال: نعم، فقالت: أما سمعت ما أنزل الله فى القرآن؟ قال: وأى ذلك؟ فقالت: أما سمعت الله يقول {وآتيتم إحداهن قنطاراً} ؟ فقال: اللهم غفراً، كل الناس أفقه من عمر، ثم رجع فركب المنبر، فقال: أيها الناس إنى كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء فى صدقاتهن على أربع مائة درهم، فمن شاء أن يعطى من ماله ما أحب.
هذا الذي يصدق فيه قول الشاعر :
أُولئك آبائي فجئني بمثلهم
إذا جمعتنا يا جرير المجامعُ

انا شخصياً لا اجد اية صعوبة في تقبل اختلاف الناس معي لانني ادرك ان المعرفة الحقيقية “تكمن في معرفة مساحة جهلك ” وان اي شخصاً اقابله قد يعرف شيئاً لا أعرفه ، وما أحسن ما قاله الإمام الشافعي رحمه الله ” قولي صواب يحتمل الخطأ، وقول المخالف خطأ يحتمل الصواب “.
او كما يقول سقراط”كل ما أعرفه أني لا اعرف شيئا”
ويقول ثالث: “الجاهل يؤكد .. والعالم يشك .. والعاقل يتروى ”

•انتقد الخطأ لا المخطئ:
يقول المتخصصون في مجال التربية: عندما يقع طفلك في خطأ ، فلا تقل له : ” إني أكرهك ” فهذه عبارة مدمرة للطفل تسلبه أهم شيء وهو الأمن النفسي المتمثل في حب الوالدين ، ولكن خاطبه بقولك : ” إني أكره تصرفك الفلاني ” فيكون حديثك وتوجيهك محدداً مقيداً منصباً على قوله الخاطئ أو فعله وليس على شخصية الطفل نفسه.

•اكرهوا المعصية لا العاصي:
كيف تحكم على شخص انت لا تعرف ظروفه و خلفيته الفكرية التي ينطلق منها ، في حين ان الكثيرين باتوا يتفنون متبجحين وبكل سذاجة اطلاق سيل من الاحكام و الاتهامات بل ان البعض وصل به الحال الى ان يقوم بدور الاله في تنصيف البشر ، مما انتجت لنا جماعات متطرفه لا ترى الصواب الا عندها وان مفاتيح الحقيقة حق حصري لها امثال داعش وغيرهم حمانا الله منهم ومن اصحاب العقول المتحجرة.
في القصة المشهورة ((لما أوتي الى النبي صلى الله عليه وسلم برجل شرب الخمر فأمر بجلده ، قال أحد الصحابة رضوان الله عليهم : لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به ، فقال عليه الصلاة والسلام : ” لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله ”

علموا ابناكم ان اللون والشكل والجنس لا تشكل فارقاً ، وان التقوى هي المعيار فلا خيار.
و كما يقول أنيس شوشان :
ﺃﻥ ﺍﻹﺧﺘﻼﻑ ﺛﺮﺍﺀ ..
ﺃﻥ ﺍﻹﺧﺘﻼﻑ ﻋﻄﺎﺀ ..
ﺃﻥ ﺍﻹﺧﺘﻼﻑ ﻭﺟﻮﺩ ..
ﺃﻥ ﺍﻹﺧﺘﻼﻑ ﺑﻘﺎﺀ ..
ﻛُﻦ ﺧﻠﻴﻔﺔ ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻠﻰ ﺍﻷﺭﺽ ﺑﺈﺧﺘﻼﻓﻚ
ﻭ ﻻ ﺗﺘﺒﻊ ﺫﺍﻙ ﺍﻟﻘﻄﻴﻊ
ﻋِﺶ ﺣُﺮّﺍ ﻳﺎ ﺍﺑﻦ ﺁﺩﻡ
ﻓﻬﺬﻩ ﺍﻷﺭﺽ ﻟﻠﺠﻤﻴﻊ

•انتقد الفكرة وليس المفكر
اهم ما قد تتعلمه في هذه الحياة ان تتقبل الآخر ، فجميعنا نرغب بتغيير الاخرين و تحسين العالم لكن لم نفكر يوماً في تقبل الاخر كما هو ، ان تتقبل الآخر لا يعني بالضرورة انك متفقٌ معه ،بل يعني انك تعترف بحقه في الوجود على هذه الارض ، فالعقول العظيمة تناقش الأفكار، والعقول المتوسطة تناقش الأحداث، أما العقول البسيطة فتناقش الأشخاص”

جاء رجل يستفتي
الإمام أحمد بن حَنْبل
فأفتاه.
فتغير وجه الرجل.
فقال الإمام أحمد :
لعلي شققت عليك بفتواي ؟
فقال الرجل : بلى
قال الإمام:
إذهب إلى فلان ( من العلماء )
فإنه يفتي بغير ما افتي.

الدين كُلٌ ليس الدين تجزأةً
بعضه صحيحٌ وبعضٌ منه أصفارُ

روى ابن عبد البر عن بعض السلف قال: “من لم يسمع الاختلاف فلا تعدوه عالماً”.
وقال سفيان الثوري: إذا رأيت الرجل يعمل بعمل قد اختُلِف فيه وأنت ترى غيره فلا تنهه.

يختلف الناس في العبادات ويختلفون في الثقافات فالتعامل مع أكثر من 6 مليار انسان ليس بالأمر الهين فلكل واحدٍ أفكاره وثقافاته وعباداته بحسب ما وصله وتعلمه منذ الصغر والمطلوب منا شيئين إثنين أولهما توضيح الحق والصواب بالحكمة والموعظة الحسنة ثانيا عدم إلزام الطرف الآخر بمعتقداتنا وأفكارنا وثقافاتنا فليس هناك شيء بالإكراه حتى الدين لاإكراه فيه وإنما يجب علينا البلاغ فقط وأما قضية الإقتناع والقبول فهذا ليس من شأننا. وكما يقول مارتن لوثر : اما ان نعيش معاً كإخوة أو نموت سوياً كالحمقى ”
فأياك ان تكون جاهلاً متعصباً مثل الشاعر الجاهلي الذي قال : ألا لا يجهلنْ أحدٌ علينا
فنجهلَ فوق جهل الجاهلينا
ثم يقول:
إذا بلغ الفطامَ لنا صبيٌّ
تخرُّ له الجبابرُ ساجدينا

فمتى يدرك المتعالمون “اني اذا لم اكن معك فلا يعني ذلك اني ضدك”
حمانا الله من اولاءك الذين يظنون انهم يعلمون وهم لا يعلمون انهم لا يعلمون.

فلا تحاول الانتصار في كل الخلافات، فأحياناً كسب القلوب أولى من كسب المواقف. ولا تهدم الجسور التي بنيتها وعبرتها، فربما تحتاج إليها للعودة يوماً ما.
دائماً اكره الخطأ، لكن لا تكره المخطئ.
أبغض بكل قلبك المعصية، لكن سامح وارحم العاصي، انتقد القول، لكن احترم القائل ، فإن مهمتنا هي أن نقضي على المرض، لا على المرضى.

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق